هيدا جابلر: حين يسبق إبسن كامو إلى صخرة سيزيف مقال من إعداد: كادر صفحة مسرح العبثفي تاريخ الأدب العالمي، يُعرف النرويجي هنريك إبسن بلقب “أبو الواقعية”، الرجل الذي هدم المسرح الكلاسيكي ليعيد بناءه على أسس الصراع الاجتماعي والنفسي. ولكن، عند إعادة قراءة أعماله، وتحديداً رائعته “هيدا جابلر” (1890)، نجد أنفسنا أمام شيء يتجاوز الواقعية المادية؛ نجد بذور “العبثية الوجودية” التي لم تتبلور كتيار فلسفي إلا بعد وفاته بنصف قرن.الفراغ كبطل للمسرحية..العبثية في جوهرها هي الصدام بين رغبة الإنسان في البحث عن المعنى وبين صمت الكون وبرودته. وفي مسرحية هيدا جابلر، لا نجد وحوشاً ولا حروباً، بل نجد الفراغ. هيدا، ابنة الجنرال جابلر، تعيش في قفص ذهبي من الرفاهية والملل. إنها تعاني من مأساة حديثة جداً: مأساة عدم وجود مأساة.تقول هيدا في لحظة صدق مُريعة: “وماذا عساي أن أفعل بنفسي طوال اليوم؟”. هذا السؤال ليس مجرد شكوى من الملل، بل هو الصرخة العبثية الأولى. إنه إدراكٌ بأن الزمن لا يحمل غاية، وأن الساعات مجرد رمال تتسرب من بين الأصابع دون هدف. هنا، تتماس هيدا مع أبطال صمويل بيكيت الذين ينتظرون “غودو”؛ الفرق الوحيد أن هيدا لا تنتظر أحداً، هي تنتظر فقط أن يحدث شيءٌ ما يكسر رتابة الوجود.الاقتباسات التي جسدت العبثتتجلى عبثية إبسن في الحوارات التي تبدو ظاهرياً عادية، لكنها تحمل ثقلاً وجودياً خانقاً. عندما تقول هيدا: “أوه، الشجاعة… لو أن المرء يمتلكها فقط… حينها قد تكون الحياة قابلة للعيش، رغم كل شيء”. نلاحظ هنا استخدام عبارة “رغم كل شيء” (in spite of everything). هذه العبارة هي اعتراف صريح بأن الأصل في الحياة هو عدم قابليتها للعيش، وأن البقاء فيها يتطلب “بطولة عبثية” لمواجهة اللاشيء.أما علاقتها بـ “لوفبورج”، فهي تجسيد لمحاولة “خلق المعنى” من خلال التدمير. تقول هيدا: “أريد لمرة واحدة في حياتي أن أملك القوة للتحكّم في مصير بشريّ”. في عالم عبثي، يشعر الفرد بالضياع وعدم التأثير، لذا تلجأ هيدا إلى التلاعب بمصائر الآخرين ليس من باب الشرّ التقليدي، بل كمحاولة يائسة للشعور بأنها موجودة وأن لأفعالها صدى، حتى لو كان هذا الصدى هو الموت.الجمال العبثي والانتحار الأنيقكانت هيدا تطالب لوفبورج بأن “يموت بجمال”، وأن يضع “أوراق الكرمة في شعره”. هذا الإصرار على الجمال في لحظة الموت هو ذروة العبث. إنها تدرك أن الموت قادمٌ لا محالة، وأن الحياة تافهة، لذا تحاول صبغ هذا الفراغ بصبغة جمالية زيفية.لكن الواقع يصدمها؛ لوفبورج لا يموت بجمال، بل يموت في مشاجرة تافهة في مكان مشبوه. هذا “اللا منطق” في النتائج هو ما يدفع هيدا نحو نهايتها المحتومة. إذ أن انتحارها في نهاية المسرحية ليس نتاج يأس عاطفي، بل هو الفعل الحر الوحيد الذي استطاعت القيام به في عالمٍ مكبلٍ بالقيود.رد فعل المجتمع: الصدمة أمام اللا معنىتُختَتم المسرحية بجملة القاضي براك الشهيرة: “ولكن، يا إلهي! الناس لا يفعلون مثل هذه الأشياء!”. هذه الجملة هي المفتاح لفهم عبثية إبسن. القاضي يمثل المجتمع العقلاني المنظم الذي يبحث عن أسبابٍ لكل شيء. المجتمع لا يمكنه استيعاب فعل الانتحار لمجرد الملل أو فقدان المعنى. بالنسبة لبراك، الفعل العبثي هو فعل غير منطقي، بينما بالنسبة لهيدا، كان هو المنطق الوحيد المتبقي في عالم لا منطق له.إن هنريك إبسن في هيدا جابلر لم يكن مجرد كاتب واقعي يصور مشاكل الزواج أو الطبقة الوسطى؛ لقد كان جرّاحاً نفسياً استكشف المنطقة الرمادية التي تسبق الانفجار الوجودي. هيدا جابلر هي الشقيقة الكبرى لشخصية “ميرسو” في رواية الغريب لكامو؛ كلاهما غريبٌ عن نفسه، وكلاهما يرى العالم مسرحية رديئة الإخراج.إبسن يخبرنا من خلال هيدا، أنه عندما تَفقد القيم بريقها، وتتحول الحياة إلى تكرار آلي، لا يتبقى للإنسان إلا أن يختار نهايته الخاصة، ليثبت لنفسه وللكون أنه -ولو للحظة واحدة- كان سيد قراره.كادر صفحة مسرح العبث..# مجلة ايليت فوتو ارت.


