بقلم الباحثة / مي نعمان
بسم الله الرحمن الرحيم ” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ” صدق الله العظيم
يحظى هذا الشهر الكريم بمكانة خاصة جداً فى المجتمع الإسلامى وذلك فى كل فترات الحكم الإسلامي تعددت مظاهر الإحتفال به ولكن أكثر تلك الفترات إزدهاراً وسخاءاً فى الاحتفالات كانت الدولة الفاطمية فنلاحظ أن كل مظاهر الأحتفال الموجودة فى المجتمع المصرى الآن تقريباً تعود لتلك الفترة المميزة فى تاريخ مصر الإسلامى .
” فانوس رمضان ” ، ” زينة رمضان ” المُقامة فى كل شوارع القاهرة القديمة والحديثة والجوامع المزينة بالأضواء كلها أصلها فاطمى رغم ان مصر الإسلامية عرفت مظاهر الاحتفال بالشهر الكريم قبل مجيء الفاطميين وخاصة في العصر الطولوني والإخشيدي ولكن للأسف معلوماتنا عن تلك الاحتفالات نادرة فيذكر ابن زولاق في سيرة الإخشيد ” أن محمد بن طغج الإخشيد كان يطلق النفقات فى أول رمضان ويرسم عمارة المساجد وتزيينها مثل كان يفعل أحمد بن طولون “.
ولحسن حظنا أننا نجد تفاصيل كثيرة عن أحتفالات الفاطميين بالشهر الكريم والتى كانت تشمل الشهر كله حتى تختتم بالاحتفال الكبير فى عيد الفطر .
كان يبدأ الإستعداد للإحتفال بالشهر قبل حلوله بثلاث أيام حيث يقوم القاضى بالمرور على جوامع ومساجد القاهرة والفسطاط للنظر فى ما يلزمها من فرش وإضاءة وما تحتاج إليه من إصلاح قبل حلول الشهر الكريم ، وكان من عادة الخلفاء الفاطميين أيضاً إغلاق جميع حوانيت الخمور وتشميع قاعاتها ويُمنع بيع الخمر ابتداءاً من أول رجب وحتى نهاية شهر رمضان وذلك تكريماً وتعظيماً لهذا الشهر ومنع الناس من تناول الخمور جهراً أو سراً ومعاقبة من يُشاهد وهو يبيعه أو يشربه .
يتم الإعلان عن بداية الشهر بخروج الخليفة فى موكب كبير وبذل صنوف من الجود والعطايا لرجال الدولة فيقول المقريزي ” أنه كان يتم إرسال لكل الأمراء وأرباب الرتب والخدم ولكل فرد من عائلته طبق حلوى ووسطه صرة من ذهب فيعم ذلك أهل الدولة ويُسمية غرة رمضان ” .
كان عامة الناس وخاصتهم يستقبلون الشهر بالبهجة والانطلاق تزدحم المساجد بالمتعبدين وتمتلئ الأسواق بالحركة والنشاط وتعم البيوت أصناف الحلوى المميزة لهذا الشهر وهي الكنافة والقطائف وكا سوق الشماعين يكتظ بالمشترين الذين يقبلون على شراء الشموع بأحجام مختلفة.
كانت الفوانيس المضاءة بالشموع منتشرة فى العصر الفاطمى ويحملها الصبية فى ليالى رمضان فى الطرقات وهم فى طريقهم إلى الجوامع للصلاة ومشاهدة الإحتفالات الدينية ، وكان للفانوس وظيفة مهمة فى ذلك الوقت فكان يوضع فانوس مضاء على مئذنة الجامع وعند حلول موعد الإمساك عن الطعام يقوم المؤذن بإطفاء الفانوس فيكون علامة للناس عن بداية صوم يوم جديد .
كما كانت تُقام الزينة فى شوارع القاهرة إحتفالاً بمرور موكب الخليفة وهو يذهب للصلاة يوم الجمعة بجامع الحاكم بأمر الله ويعرض كل أصحاب الحرف معروضاتهم في طريق الموكب حتى تتبرك بنظر الخليفة وكانت تُشرف الشرطة على حراسة تلك المعروضات .
كانت تٌقام الموائد الكبيرة للإفطار داخل القصور وفى الجوامع ليفطر عليها الناس على اختلاف طبقاتهم ، وكانت تٌقام كل ليله موائد فى قاعة الذهب بالقصر ويحضرها الأمراء بالتناوب ويوضع عليها أصناف فاخرة من الطعام الشهى والحلوى ” .
وبعد الإنتهاء من تناول الإفطار يُقام إحتفال دينى كبير يحضره الخليفة ويتنافس القُراء فى تلاوة القرآن بأصوات فيها تطريب ثم يقوم المؤذن بالتكبير وذكر فضائل السحور وبعدها يختم بالدعاء للخليفة والدولة ويأتي بعدها دور الوعاظ فيذكرون فضائل شهر رمضان ثم تقوم جماعة الصوفية برقصاتها ومدح النبي وأهل البيت.
يستمر الإحتفال حتى منتصف الليل وتوزع أصناف الحلوى والقطائف وأكواب الماء المُعطر ويأكلون ويأخذون منه وتوزع الباقي على الفراشين والعاملين ببذخ وسخاء .
أشتهرت حلوى القطائف فى العصر الفاطمى بين الخاصة والعامة ويزداد الإقبال على تناولها فى شهر رمضان فيذكر عنها الشاعر المصرى عبد الرحمن بن هبة الله.
وفى الصيام فوافتنا قطائفه …. كما تسنت الكثبان من كثب
ما بين محشوة صفت إلى آخر …. حمر من القلى تشفى حنة السغب
وكانت القطائف من بين الأطعمة التى تُقدم فى سحور الخليفة الفاطمى وتُقدم للمشاركين في احتفالات ليالى رمضان من القُراء والوعاظ والصوفية وغيرهم مما يحتشدون فى القصر بهذه المناسبة .
وكان الناس يتهادون القطائف في شهر رمضان أسهب الشعراء لها أبيات الشعر وما كانت تُستخدم فى صناعتها من الجلاب والمسك والفستق فمنها ..
جاءت مناسبة أخلاق مهديها …….. قطائف كل طرف مودع فيها
كما عُرفت الكنافة أيضاً كحلوى مميزة للشهر الكريم وقال الشعراء فيها ابياتاً من الشعر منها ما قاله ظافر الحداد خباز الكنافة بالعصر الفاطمى :
وحاذق يحكم كنافته … لا تشبع العين منه بالنظر
وقال الغزولى أبياتاً طريفة في الكنافة والقطائف منها :
قال القطائف للكنافة ما …… بالي أراك رقيقة الجسد
أنا بالقلوب حلاوتى حشيت ……فتقطعى من كثرة الحسد .
هكذا كانت الدولة الفاطمية مميزة فى استقبالها للشهر الكريم وكذلك ورثنا نحن كل تلك المظاهر بكل ما فيها من فرحة و بهجه تميزنا بها عن كل بقاع العالم فلا يوجد مثل القاهرة فى بهجتها وزينتها وثراء تاريخها عبر العصور ولنا جميعاً أن نفخر بهذا الأصل الطيب .
******
المصادر
رؤية وطن
إيليت فوتو آرت


