العين نافذتك لترى العالم. كاميرا حية في غاية الدقة والإتقان؟!
العين ليست مجرد كرة صغيرة تستقر في محجرها، بل منظومة هندسية وحيوية مدهشة، تُظهر في كل لحظة دقة الخلق وإحكام الصنعة. وما هذه العضلات الست التي تحيط بها إلا خيوط حركة بالغة الدقة، تستجيب في أجزاء من الثانية لإرادة الإنسان، فتلتفت العين إلى حيث يريد، دون أن يشعر بالجهد أو يتأمل التعقيد الكامن خلف هذه الحركة البسيطة.
يكفي أن تخطر في ذهني فكرة: “انظر إلى اليمين”، حتى تنطلق الإشارات العصبية من الدماغ، فتستجيب عضلات معينة، وترتخي أخرى، فتتحرك العين بانسياب إلى اليمين. ثم أفكر: “انظر إلى الأعلى”، فتتغير العضلات العاملة في اللحظة نفسها، وترتفع العين. ثم إلى اليسار، ثم إلى الأسفل، ثم بحركة مائلة دقيقة، فتتآزر عدة عضلات في وقت واحد لتصنع زاوية لا يكاد الإنسان ينتبه إلى تعقيدها. كل ذلك يحدث في أقل من طرفة عين.
والأعجب أن هذه العضلات لا تعي نفسها، ولا تدرك ما تفعل، ولا تعرف الغاية من حركتها، لكنها تستجيب بأقصى درجات الانضباط للأوامر العصبية التي تصلها. إنها تؤدي وظيفتها بإتقان مذهل، بينما الوعي الحقيقي بالحركة إنما يكون عند الإنسان نفسه؛ فهو يقصد النظر، فتستجيب له هذه المنظومة الدقيقة.
ومن أعظم ما يلفت النظر في تشريح العين العضلة المائلة العلوية، فهي لا تسير مباشرة إلى العين، بل يمر وترها عبر بنية صغيرة تشبه البَكرة (Trochlea)، وهي حلقة ليفية غضروفية مثبتة في أعلى الحجاج. تعمل هذه البكرة تمامًا كما تعمل البكرات في الهندسة؛ فهي تغيّر اتجاه شد الوتر، فتمنح العضلة قدرة على تدوير العين وتحريكها بزوايا دقيقة لا يمكن تحقيقها لو سحب الوتر في خط مستقيم. وكأن الخالق سبحانه أودع في هذا الموضع الصغير مبدأً ميكانيكيًا بالغ الإبداع، يجمع بين علم التشريح وقوانين الفيزياء في تصميم واحد متقن.
وحول العين ست عضلات خارجية تعمل بتناغم كامل:
العضلة المستقيمة العلوية ترفع العين.
والمستقيمة السفلية تخفضها.
والمستقيمة الإنسية تحركها نحو الأنف.
والمستقيمة الوحشية تحركها نحو الخارج.
أما العضلتان المائلتان، العلوية والسفلية، فتضيفان الحركات الدورانية والزوايا الدقيقة التي تجعل العين قادرة على تثبيت الصورة ومتابعة الأجسام بسلاسة.
ولو اختلت عضلة واحدة فقط، أو تعطلت إشارة عصبية واحدة، لاختل توازن الحركة، وظهرت الرؤية المزدوجة أو فقد الإنسان القدرة على توجيه نظره بصورة طبيعية. هذا التوافق المذهل بين العضلات والأعصاب والدماغ يحدث آلاف المرات كل يوم، من غير أن يشعر الإنسان بشيء.
إنها معجزة حية تتكرر مع كل نظرة. أفكر، فتتحرك العين. أنوي، فتستجيب العضلات. أغيّر اتجاه بصري، فتتغير القوى والزوايا والشدود في لحظة واحدة، وكأن آلاف العمليات الحسابية تُنجز في جزء من الثانية. ثم أعتاد هذا كله حتى أكاد أنساه، مع أنه من أعظم دلائل الإبداع في خلق الإنسان.
قال الله تعالى: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾، وكأن هذه الدعوة الربانية تحث الإنسان على التأمل في نفسه قبل أن ينظر إلى ما حوله؛ ففي حركة عين واحدة، وفي وتر يلتف حول بكرة صغيرة، وفي عضلات لا تملّ من الطاعة والاستجابة، من آيات الحكمة والإتقان ما يدعو إلى الخشوع والتسبيح: ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾.
#م . #ماهربقجه جي#مجلة ايليت فوتو ارت.


