العنف ضد الأطفال في سن المراهقة .. جرح صامت يهدد جيل المستقبل

نجده محمد رضا 
 
في زوايا كثيرة من البيوت والمدارس، تختبئ صرخات لا تُسمَع، ودموع لا تُرى.

هي صرخات مراهقين يعيشون تحت وطأة العنف سواء الجسدي أو النفسي في مرحلة تعدّ الأخطر في حياتهم.

مرحلة المراهقة، التي يُفترض أن تكون مساحة للبحث عن الذات، تتحول أحيانًا إلى ساحة خوف وصراع داخلي يهدد توازنهم النفسي ومستقبلهم.
 
العنف.. أكثر من مجرد ضرب
 
العنف ضد المراهقين لا يقتصر على الإيذاء الجسدي فقط، بل يشمل أيضًا العنف اللفظي والعاطفي والإهمال النفسي.

كلمات مثل “غبي”، “ما بتفهمش”، أو “فاشل” قد تترك جرحًا أعمق من أي صفعة، لأنها تهدم الثقة بالنفس وتزرع الخوف في داخل الطفل.

وفي زمن التكنولوجيا، ظهر شكل جديد من العنف وهو العنف الإلكتروني، عبر التنمّر والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يجعل المراهق يعيش حالة دائمة من القلق والخوف من نظرة الآخرين.
 
آثار نفسية واجتماعية خطيرة
 
تشير دراسات متخصصة إلى أن التعرض للعنف خلال مرحلة المراهقة يؤدي إلى:
 
اضطرابات القلق والاكتئاب.
 
ضعف الثقة بالنفس وفقدان الإحساس بالقيمة الذاتية.
 
الميل للعزلة أو السلوك العدواني.
 
احتمالية الانحراف السلوكي أو الهروب من المنزل.
 
وفي كثير من الأحيان، يتحول الطفل الذي عانى من العنف إلى شخص يمارسه لاحقًا، فتستمر دائرة القسوة من جيل إلى جيل.
 
العائلة.. أول جدار حماية أو أول مصدر أذى
 
الأسرة هي البيئة الأولى التي تشكل شخصية المراهق.
لكن حين تتحول إلى مصدر خوف بدلاً من الأمان، تتكسر داخله مشاعر الثقة.

العنف الأسري سواء من الأب أو الأم يترك جروحًا لا تُشفى، بينما الحوار والاحتواء هما السلاح الحقيقي لتربية طفل سويّ وواثق بنفسه.

الضرب لا يصنع الطاعة، بل يولّد الكراهية، أما الحوار فيصنع الوعي والمسؤولية.
 
القانون يحمي.. لكن الصمت يقتل
 
تتضمن القوانين المصرية والعربية نصوصًا واضحة تجرّم العنف ضد الأطفال والمراهقين.

ففي مصر مثلًا، نصّ قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته على حماية القاصرين من أي شكل من أشكال الإساءة النفسية أو البدنية.

لكن رغم وجود القانون، ما زال الصمت المجتمعي أكبر عائق أمام العدالة، إذ يخشى الكثير من المراهقين الإبلاغ عن العنف خوفًا من الانتقام أو الفضيحة.

فإذا لم يتكلم الضحية، سيبقى العنف متخفيًا خلف الأبواب المغلقة.
 
دور المدارس والإعلام في مواجهة العنف ضد المراهقين
 
تلعب المدارس دورًا أساسيًا في حماية المراهقين من العنف، فالمعلم هو ثاني أهم قدوة بعد الأسرة.

ويجب أن تتضمن كل مدرسة وحدة دعم نفسي قادرة على رصد الحالات، والاستماع للمراهقين الذين يعانون في صمت.

كما أن تدريب المعلمين على التعامل التربوي الإيجابي، ووضع ضوابط واضحة ضد التنمّر أو الإهانة داخل الفصول، يعد خطوة ضرورية لترسيخ ثقافة الاحترام.

 
أما وسائل الإعلام، فهي المرآة التي تشكّل وعي المجتمع.

وإذا استخدمت قوتها في نشر ثقافة الرحمة والتفاهم، ستُحدث تغييرًا حقيقيًا.

لكن حين تبرّر العنف في الدراما أو تُظهر القسوة كوسيلة للتربية، فإنها تساهم في تطبيعه.

لذا، يتحتم على الإعلام أن يقدّم محتوى يكرّس قيم الحوار، ويبرز قصص النجاح الناتجة عن الدعم النفسي لا عن الخوف.
 
حلول ومقترحات لمستقبل آمن
 
لمواجهة ظاهرة العنف ضد المراهقين، يقترح الخبراء الخطوات التالية:
 
1. توعية الأهل بأساليب التربية الحديثة الخالية من العقاب البدني واللفظي.
 
2. توفير دعم نفسي مجاني داخل المدارس والمراكز المجتمعية.
 
3. تدريب المعلمين على اكتشاف علامات العنف المبكرة.
 
4. تشجيع الإعلام على حملات توعية حقيقية، بدلاً من تسطيح المشكلة.
 
5. فتح خطوط ساخنة آمنة لتلقي بلاغات المراهقين بسرية تامة.
 
العنف لا يبني إنسانًا، بل يهدم روحًا والمراهقة ليست تمرّدًا يجب قمعه، بل نداء يحتاج من يسمعه.

إن احتواء المراهقين هو استثمار في جيل قادر على بناء وطنٍ أقوى وأكثر إنسانيةفمن يمنح أبناءه الحبّ اليوم، يمنح وطنه الأمان غدًا.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم