العلم التجريب والفلسفة علاقة اثبات ذات لاتنتهي.

هل حقا تجاوز العلم التجريبي الحاجة للفلسفة؟

هل تمكن المجهر والتلسكوب من إحالة التأمل الفلسفي إلى التقاعد؟ في العصر الحديث، تصاعدت سردية معرفية تفترض أن التقدم المذهل للعلوم التجريبية قد سحب البساط من تحت أقدام الفلسفة، محولا إياها إلى مجرد أثر تاريخي لا طائل منه. تنطلق هذه النظرة من افتراض بوجود تنافس صفري بين مختبر العالِم ومكتب الفيلسوف. يقتضي الفحص الإبستمولوجي تفكيك طبيعة الجاذبية التي يتمتع بها كل حقل، وكشف الجذور الفكرية التي تحكم العلاقة بين الملاحظة التجريبية والتأمل.

تتأسس الفلسفة على ما يُعرف بـ “كارزما المضمون”، وهي الجاذبية النابعة من طبيعة الأسئلة الكبرى التي تطرحها حول الوجود، المعنى، القيم، والأخلاق. تتصدى الفلسفة لقضايا وجودية كلية لا تملك إجابات رياضية قاطعة، مما يمنحها ثقلا إنسانيا . بالمقابل، يستمد العلم التجريبي قوته من “كارزما المنهج”، حيث ترتكز جاذبيته على خطواته المنهجية، قابليته للقياس، قدرته على التنبؤ، وإنتاجه للتطبيقات التكنولوجية الملموسة التي تغير شكل حياة الإنسان اليومية.

تاريخيا، تعمقت الفجوة بين الحقلين مع صعود المدارس الوضعية (Positivism) في القرن التاسع عشر، ولا سيما مع أوغست كونت، حيث سادت القناعة بأن الفكر البشري يتطور خطيا، متجاوزا المرحلة الميتافيزيقية (الفلسفية) وصولا إلى مرحلة النضج الوضعي (العلمي). أفرزت هذه الحقبة ما يُعرف بـ “العلموية” (Scientism)، وهي أيديولوجيا متطرفة تفترض أن المنهج التجريبي هو الأداة اليتيمة لإنتاج المعرفة الصحيحة، وأن أي تساؤل لا يخضع للقياس المادي هو مجرد لغو خالي من المعنى.

يكشف التحليل الإبستمولوجي للنشاط العلمي ذاته عن استحالة فك الارتباط بين العلم والفلسفة. يفتقر العلم التجريبي إلى القدرة على تأسيس نفسه بنفسه؛ فهو يعتمد كليا على افتراضات فلسفية مسبقة. مبحث “الإبستمولوجيا” (نظرية المعرفة) هو الذي يحدد للعالِم معايير الحقيقة وماهية الدليل العلمي. يطرح كارل بوبر مبدأ “القابلية للتكذيب” كمعيار فلسفي للتمييز بين العلم واللا-علم، وهو معيار لا يمكن استخراجه من داخل المختبر. علاوة على ذلك، يتدخل مبحث “الأكسيولوجيا” (علم القيم والأخلاق) لتأطير الممارسة العلمية وتحديد غاياتها ومحاذيرها، مانعا العلم من التحول إلى أداة تدميرية.

يظهر الاشتباك المعرفي عند تتبع أطروحة توماس كون حول “النماذج الإرشادية” (Paradigms). يجادل كون بأن تطور العلم التجريبي لا يسير بشكل تراكمي موضوعي خالص، إذ تتحكم فيه بنية مجتمعية وفلسفية مسبقة توجه أنظار العلماء نحو مشاكل معينة وتحدد لهم طرق الحل المقبولة. في أوقات الأزمات العلمية، يعجز المنهج التجريبي المعتاد عن تقديم الحلول، فيضطر العلماء لممارسة تفكير فلسفي لإعادة النظر في القواعد الأساسية للعلم ذاته. يتوازى هذا مع النقد الذي وجهه بول فيرابند في مفهومه “ضد المنهج”، حيث يفكك فكرة وجود منهج علمي موحد، مؤكدا أن التقدم المعرفي يتطلب أحيانا كسر القواعد الثابتة والاستعانة بالخيال الفلسفي.

يتبين أن العلم التجريبي لا يستطيع تجاوز الفلسفة، لأنه يتنفس داخل إطارها. يقدم العلم إجابات لأسئلة محددة عن آليات عمل الطبيعة، بينما تتولى الفلسفة تفكيك الأسئلة ذاتها، وتقييم الغايات، وتحليل البنية العقلية التي أنتجت هذا العلم.

#الإبستمولوجيا #كارزما_المنهج #فلسفة_العلم#مجلة ايليت فوتو ارت .

أخر المقالات

منكم وإليكم