من الرمز إلى الصوت: العبقرية اللغوية في الأبجدية الأوغاريتية كيف أعادت أوغاريت تعريف العلاقة بين اللغة والكتابة اذا كان المقال الأول قد تناول أوغاريت بوصفها اللحظة التي وُلدت فيها الأبجدية، فإن السؤال الأعمق يبدأ هنا: ما الذي جعل هذا النظام مختلفًا جذريًا عمّا سبقه؟ وكيف تحوّل من مجرد أداة تدوين إلى ثورة في التفكير اللغوي ذاته؟ليست أهمية الأبجدية الأوغاريتية في قِدمها فقط، بل في طبيعتها المفهومية. فهي لم تكن تبسيطًا تقنيًا للكتابة فحسب، بل نقلت الإنسان من مرحلة تمثيل الأشياء والمعاني إلى مرحلة تمثيل الأصوات. وهذا التحوّل، في جوهره، كان انتقالًا من التفكير الصوري إلى التفكير التجريدي.ما قبل الأبجدية: هيمنة الصورة والمقطعلفهم عبقرية أوغاريت، ينبغي النظر إلى السياق الذي ظهرت فيه. فالأنظمة الكتابية السائدة في الشرق القديم اعتمدت على مبدأين أساسيين: الرمز التصويري (الذي يمثّل شيئًا أو فكرة) والرمز المقطعي (الذي يمثّل مقطعًا صوتيًا). في الحالتين، كانت الكتابة تتطلب عددًا كبيرًا من العلامات، يصل أحيانًا إلى مئات الرموز.هذا التعقيد لم يكن مسألة شكلية فقط، بل كان يفرض تصورًا معينًا للغة: أنها مجموعة وحدات كبيرة (كلمات أو مقاطع) لا يمكن تفكيكها بسهولة إلى عناصر أصغر. ومن هنا، ظلّ الصوت الفردي – الحرف – غائبًا عن الوعي الكتابي لقرون طويلة.الاختراق الأوغاريتي: اكتشاف الوحدة الصوتيةما فعلته أوغاريت كان أشبه باكتشاف “الذرة” في عالم اللغة. فقد تعاملت مع الكلام بوصفه سلسلة من الأصوات المفردة، يمكن تمثيل كل واحد منها بعلامة مستقلة. هكذا وُلد نظام مؤلف من نحو ثلاثين حرفًا، يغطي الحقول الصوتية الأساسية للغة السامية التي كانت سائدة في المدينة.ورغم أن الأوغاريتيين استخدموا الشكل المسماري نفسه، فإنهم حمّلوه وظيفة جديدة كليًا. لم تعد العلامة تمثّل مقطعًا مثل “با” أو “كا”، بل تمثّل صوتًا واحدًا مثل “ب” أو “ك”. هذه القفزة الذهنية تعني أن الكاتب أصبح واعيًا بالبنية الداخلية للكلمة، لا بمظهرها الخارجي فقط.إن هذا التحليل الصوتي للغة هو ما يمنح الأبجدية الأوغاريتية قيمتها الاستثنائية. فهي لا تعكس نظامًا كتابيًا فحسب، بل تعكس وعيًا لغويًا متقدمًا.النظام الصوتي: دقة وتمييزتظهر الدراسات اللسانية للنصوص الأوغاريتية أن الأبجدية لم تكن عشوائية، بل كانت تستجيب لبنية اللغة السامية بدقة لافتة. فقد ميّزت بين أصوات الحلق، وأصوات الإطباق، وأصوات الاحتكاك، وهي خصائص معروفة في اللغات السامية ومنها العربية.هذا التمييز الصوتي يثبت أن واضعي النظام كانوا يدركون الفروق الدقيقة بين الأصوات، وأنهم لم يبتكروا الأبجدية عبر اختزال اعتباطي، بل عبر تحليل لغوي واعٍ. ويبدو أن هذا التحليل جاء نتيجة تفاعل طويل بين الممارسة الكتابية والتأمل اللغوي، في بيئة متعددة اللغات.إن وجود ثلاثة أشكال مختلفة لحرف الألف في الأوغاريتية – وفقًا لحركته – يعكس محاولة لضبط العلاقة بين الصامت والحركة، وهي مسألة ستظل تشغل اللغات السامية لقرون لاحقة.الأبجدية كتجريد فلسفيالانتقال من الرمز إلى الصوت يعني الانتقال من تمثيل الواقع إلى تمثيل البنية الذهنية للكلام. فالرمز التصويري يحاكي الشيء، بينما الحرف لا يحاكي شيئًا في العالم المادي؛ إنه تمثيل محض لصوت مجرّد.هذا التجريد هو ما يجعل الأبجدية اختراعًا فلسفيًا بقدر ما هو لغوي. فالحرف لا يُرى في الطبيعة، بل يُستنتج عبر تحليل الكلام. ومن هنا، يمكن القول إن الأبجدية الأوغاريتية تمثل لحظة وعي جديدة باللغة، بوصفها نظامًا يمكن تفكيكه وإعادة بنائه.أثر هذا التحوّل في المجتمعحين تصبح الكتابة مؤلفة من عدد محدود من الحروف، فإن تعلّمها يصبح أسهل، وانتشارها أوسع. صحيح أن الكتابة في أوغاريت لم تتحوّل فجأة إلى ممارسة شعبية شاملة، لكن تبسيط النظام مهّد الطريق لتوسّع تدريجي في استخدامها.لقد أصبح بالإمكان تدوين العقود التجارية، المراسلات الدبلوماسية، النصوص الأدبية، والصلوات الدينية، ضمن نظام واحد متماسك. وهذا التوحيد الكتابي يعكس توحيدًا في الوعي الاجتماعي، حيث لم تعد اللغة المكتوبة منفصلة عن اللغة المنطوقة بشكل جذري.العلاقة بالعربية واللغات الساميةتكتسب الأبجدية الأوغاريتية أهمية إضافية عند النظر إليها من زاوية تاريخ اللغات السامية. فالبنية الجذرية الثلاثية، التي تُعد سمة بارزة في العربية، تظهر بوضوح في النصوص الأوغاريتية. كما أن كثيرًا من المفردات المشتركة بين الأوغاريتية والعربية تشير إلى جذور لغوية عميقة.هذا التقارب لا يعني تطابقًا، بل يدل على انتماء مشترك إلى فضاء لغوي واحد. ومن هنا، فإن دراسة الأوغاريتية لا تضيء ماضي لغة منقرضة فحسب، بل تساعد في فهم البنية التاريخية للعربية نفسها.بين المحلية والعالميةرغم أن الأبجدية الأوغاريتية لم تنتشر بصيغتها الأصلية خارج نطاقها الجغرافي، فإن الفكرة التي قامت عليها – أي تحليل اللغة إلى وحدات صوتية – ستنتقل لاحقًا إلى الأبجديات الكنعانية ثم الفينيقية. ومن خلال هذه السلسلة، ستصل الفكرة إلى العالم المتوسطي، ثم إلى معظم أنظمة الكتابة الحديثة.بهذا المعنى، كانت أوغاريت مختبرًا مبكرًا لفكرة ستصبح عالمية. لقد طوّرت النموذج الأول، ثم جاءت حضارات لاحقة لتبسّطه وتعمّمه. وهنا تتجلى أهمية المرحلة الأوغاريتية: ليست لأنها انتشرت، بل لأنها أسّست.قراءة نقدية للسرديات الشائعةكثير من السرديات الغربية نسبت اختراع الأبجدية مباشرة إلى الفينيقيين، متجاهلة المراحل السابقة أو مختزلة إياها في إشارات عابرة. غير أن الاكتشافات الأثرية في رأس شمرا، منذ عشرينيات القرن العشرين، أعادت رسم الخريطة الزمنية لنشأة الأبجدية.أثبتت النصوص الأوغاريتية أن النظام الأبجدي كان قائمًا ومستخدمًا قبل التوسّع الفينيقي الواسع. وهذا لا ينتقص من دور الفينيقيين في نشر الأبجدية، لكنه يعيد التوازن إلى السرد التاريخي، ويضع كل مرحلة في سياقها الصحيح.حين أصبح الصوت قابلاً للكتابةإن أعظم ما أنجزته أوغاريت لم يكن بناء القصور أو توسيع التجارة، بل اكتشاف أن اللغة يمكن تحليلها إلى وحدات بسيطة، وأن هذه الوحدات يمكن تمثيلها برموز محدودة العدد. في تلك اللحظة، تحوّل الصوت العابر إلى أثر ثابت، وتحولت الكلمة من حدث شفهي إلى سجل دائم.من هنا، فإن الأبجدية الأوغاريتية ليست مجرد مرحلة قديمة في تاريخ الكتابة، بل هي لحظة تأسيسية في تاريخ العقل الإنساني. لقد علّمت الإنسان أن يفكّر في لغته، وأن يرى في الصوت بنية يمكن فهمها وضبطها.وفي المقال المقبل، ننتقل من أوغاريت إلى الكنعانيين، لنرى كيف خرجت الأبجدية من إطارها المحلي، وبدأت رحلتها الطويلة عبر المشرق، في طريقها إلى البحر… ثم إلى العالم.رسول حرداني الأحوازي# حضارات الشرق القديم # مجلة ايليت فوتو ارت.


