العبث
اعداد / مجدى ابراهيم
تمثل فكرة العبث واحدة من أكثر الأفكار تأثيرًا في المسرح الحديث، ليس لأنها تدعو إلى الفوضى أو تنكر قيمة الإنسان، وإنما لأنها تكشف مأزقه الوجودي في عالم فقد يقينه، وأصبح عاجزًا عن تقديم إجابات حاسمة لأسئلة الحياة والموت والحرية والمعنى. وقد ظهر هذا الاتجاه بقوة بعد الحرب العالمية الثانية، حين بدا الإنسان وكأنه يعيش وسط عالم محطم، انهارت فيه القيم، وتراجعت الثقة في العقل والتقدم، فانعكس ذلك على الأدب والفن، وكان المسرح أحد أبرز تجلياته.
في المسرح، لا يُقصد بالعبث غياب النظام أو انعدام البناء، بل هو رؤية فنية وفلسفية تعبر عن شعور الإنسان بالغربة داخل عالم لا يخضع لمنطق واضح. ومن هنا جاءت أعمال مسرح العبث لتكسر القواعد التقليدية التي اعتادها المتلقي، فلم تعد المسرحية تعتمد على حبكة متماسكة أو صراع ينتهي بحل، بل أصبحت تقدم مواقف تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تخفي أسئلة وجودية عميقة.
تتجلى سمات العبث في المسرح من خلال شخصيات تعيش حالة من الانتظار أو الدوران في دائرة مغلقة، تسعى إلى التواصل لكنها تفشل، وتتحدث كثيرًا دون أن تصل إلى معنى حقيقي. كما يفقد الزمن انتظامه، فلا يعود للماضي أو المستقبل قيمة واضحة، بينما يتحول المكان إلى فضاء رمزي يعكس العزلة والفراغ أكثر مما يعكس واقعًا محددًا.
وتكتسب اللغة في مسرح العبث وظيفة مختلفة؛ فهي لا تُستخدم لنقل الأفكار بقدر ما تكشف عجز الإنسان عن التواصل. لذلك تمتلئ الحوارات بالتكرار، والصمت، والانقطاعات، والجمل التي تبدو بلا غاية، فيتحول الكلام نفسه إلى دليل على استحالة الوصول إلى يقين أو حقيقة نهائية.
ومن الناحية البصرية، يعتمد المسرح العبثي على الاقتصاد في الديكور والإكسسوار، فتبدو الخشبة شبه خالية أو تحتوي على عناصر قليلة ذات دلالة رمزية، لأن التركيز لا ينصب على محاكاة الواقع، بل على خلق حالة ذهنية ونفسية يعيشها المتفرج. وتصبح الحركة والإضاءة والصمت عناصر درامية لا تقل أهمية عن الحوار.
ورغم ما يبدو في هذا المسرح من تشاؤم أو لاجدوى، فإنه لا يدعو إلى الاستسلام، بل يدفع المتلقي إلى التفكير في طبيعة الوجود الإنساني، وإعادة النظر في المسلمات التي اعتادها. فالعبث هنا ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة فنية لطرح الأسئلة الكبرى التي يعجز الواقع عن الإجابة عنها.
وقد ارتبط هذا الاتجاه بأسماء بارزة مثل صمويل بيكيت، صاحب مسرحية في انتظار جودو، التي أصبحت النموذج الأشهر لمسرح العبث، وكذلك أوجين يونسكو في مسرحية المغنية الصلعاء، وجان جينيه، وهارولد بنتر، الذين قدموا رؤى مختلفة للإنسان المعاصر وهو يواجه العزلة والقلق وفقدان المعنى.
لقد غيّر مسرح العبث مفهوم الكتابة المسرحية، فلم يعد الهدف تقديم قصة مكتملة أو رسالة مباشرة، بل أصبح المسرح مساحة للتأمل وطرح الأسئلة، ومواجهة الإنسان بحقيقته الهشة. ومن هنا جاءت أهميته في تاريخ المسرح الحديث، إذ فتح آفاقًا جديدة للتجريب في البناء الدرامي، واللغة، والأداء، والسينوغرافيا
، مؤكداً أن الفن لا يقتصر على تقديم الإجابات، بل يمتلك القدرة على كشف التناقضات العميقة التي يعيشها الإنسان في عالم شديد التعقيد.
#ملتقى المسرح#مجلة ايليت فوتو ارت.


