محمية سبخة الجبول…واحة الفلامنغو المنسية… حيث تنبض الطبيعة السورية بسحرها العالمي عندما نتحدث عن الطبيعة السورية، لا بد أن نتوقف عند علامة دولية فارقة، تملك من السحر والجمال ما يأسر الروح، ويهدي العين مشهداً لا يُنسى. وجهتنا اليوم إلى قلبٍ مائيٍ نابضٍ في ريف حلب الشرقي، حيث تلتقي الصحراء بالماء في عناقٍ أبدي: محمية سبخة الجبول.إنها أكبر بحيرة طبيعية في سوريا، وواحدة من أهم الأراضي الرطبة ذات الأهمية العالمية، وموقعٌ مسجل ضمن اتفاقية “رامسار” لحماية الطيور والموائل المائية. تمتد هذه الأعجوبة البيئية على مسافة 40 كيلومتراً جنوب شرق حلب، في منطقة السفيرة ودير حافر، بمساحة تصل إلى 260 كيلومتراً مربعاً، وبعرض يتراوح بين 3 و10 كيلومترات. مياهها الضحلة (بين 20 و160 سنتيمتراً) تخفي بين طياتها نظاماً بيئياً فريداً يجمع بين ثراء اقتصادي وتنوع حيوي هائل.من سبخة جرداء إلى بحيرة دائمة… حكاية تحولتاريخياً، كانت الجبول مجرد سبخة ملحية جافة صيفاً، تنتظر مياه الأمطار شتاءً لتمتلئ عبر أودية مثل “وادي الذهب”. لكن التحول الكبير بدأ عام 1982، عندما تدفقت إليها مياه الصرف من معمل سكر مسكنة، ثم تعزز ذلك عام 1989 بمياه غسيل الأراضي الزراعية ومشاريع الري، لتنقلب المعادلة، وتتحول السبخة الموسمية إلى بحيرة دائمة ومعقدة، نالت اعترافاً عالمياً كموقع محمي للطيور المائية المهاجرة عام 1998.مملكة الطيور وأيقونة الفلامنغوسرعان ما تحولت الجبول إلى المحطة الأهم في رحلة الطيور المهاجرة بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. على ضفافها المالحة، يقف ملك التتويج بلا منازع: طائر الفلامنغو، أيقونة المحمية التي تستضيف أحياناً أكثر من 1% من الإجمالي العالمي لهذا الطائر، حيث تعشش آلاف الأزواج في مشهد وردي أخاذ.وإلى جانب الفلامنغو، تأوي المحمية كنوزاً مهددة بالانقراض: أبو منجل الناسك، العويسق، الحبارى الكبرى، البجع الدلماسي، البط أبيض الوجه، ودجاجة السلطان الأرجوانية، إضافة إلى أسراب النوارس واللقالق.ولأن الأرض هنا مالحة، أبدعت الحياة نباتاتها الخاصة، نحو 50 صنفاً فريداً تكيف مع القسوة، من القلام المخشوشب والخرزة محيطية الأوراق، إلى أحراش قصب الزل العملاق، تلك الغابات الكثيفة التي تحتضن الأعشاش وتخفي أسرار الحياة.ملح الأرض ودماء الاقتصادلا تقتصر أهمية الجبول على الطيور، فهي شريان حياة لمئات العائلات في القرى المحيطة، كالجبول، السفيرة، رسم النفل، وأم عامود. في مواسم الجفاف، يخرج الأهالي لجمع الملح الجبولي عالي النقاء، في صناعة محلية متوارثة، إلى جانب الرعي والزراعة التي تعتمد على قنوات الري المحيطة.تحديات تهدد الواحةلكن هذه الجوهرة البيئية ليست بمنأى عن الخطر، فتراجع تدفق المياه بسبب الجفاف، والتلوث بالصرف الصحي غير المعالج والمخلفات الكيميائية، يهددان توازنها الهش. كما عانت طويلاً من شبح الصيد الجائر الذي استهدف طيورها النادرة، ما دفع إلى جهود حثيثة لإعادة تأهيل البوابات المائية وفرض حماية صارمة على هذه المساحة الآسرة، التي تثبت أن سوريا، رغم كل شيء، لا تزال تخبئ في جعبتها سحراً يخطف الأبصار ويروي القلوب.#سوريات_souriatفادي الناقولا#مجلة ايليت فوتو ارت..


