الطب ليس تجارة بل هو مهنة مقدسة .. رسالة إنسانية تتجاوز حدود الربح

بقلم د.نادي شلقامي 

قدسية المهنة ولب رسالتها..
لطالما كان الطب مهنة الأنبياء والصالحين، وحمل الأطباء على مر العصور لقب “ملائكة الرحمة”. هذه المهنة، التي تتعلق بأقدس ما يملك الإنسان وهو الروح والجسد، تتجاوز في جوهرها أي اعتبار مادي، لتصبح رسالة مقدسة وواجبًا إنسانيًا نبيلًا.

إنها التزام أخلاقي قبل أن تكون مصدر رزق، وخدمة للمجتمع قبل أن تكون حِرفة تدرّ الأرباح. عندما يتحول الطب إلى مجرد تجارة، تفقد الإنسانية جزءاً من كرامتها، ويصبح المريض – وهو في أضعف حالاته – عرضة للاستغلال.
 
أولاً: الجانب الإنساني والأخلاقي في مهنة الطب

1. العهد والقَسَم: أساس المهنة

كل طبيب، في بداية مسيرته، يقسم قَسَم أبقراط أو ما يعادله من المواثيق الأخلاقية. هذا القَسَم ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو تعهد بالإخلاص للمهنة، والحفاظ على كرامة الإنسان، وتقديم الرعاية للمريض دون تمييز أو استغلال. النص صريح في جعل شفاء المريض الهدف الأسمى، بغض النظر عن وضعه المادي أو الاجتماعي.
 
2. المريض أولاً: مبدأ لا يقبل المساومة

الطبيب يتعامل مع كائنات بشرية ضعيفة، تتألم وتخشى الموت. هذه العلاقة يجب أن تقوم على الثقة والشفقة والرحمة. عندما يضع الطبيب الربح المادي في المقام الأول، ويتحول إلى “تاجر”، تتأثر القرارات الطبية الأساسية:

أ- التشخيص والعلاج غير الضروريين: قد يلجأ البعض إلى طلب فحوصات مخبرية أو أشعة غير لازمة، أو إجراء عمليات جراحية غير ضرورية، بهدف زيادة الفاتورة على المريض أو الحصول على عمولات من المختبرات والمستشفيات الخاصة.

ب- التكلفة الباهظة للرعاية: يجد المرضى أنفسهم أمام تكاليف علاجية تفوق طاقتهم، مما يضطرهم إلى تأجيل أو التخلي عن العلاج، أو الوقوع في فخ الديون، وهذا يتنافى مع مبدأ حق كل إنسان في الرعاية الصحية.
 
3. المسؤولية العظيمة

إن مسؤولية الطبيب تتجاوز حدود عيادته؛ فإنه يحمل بين يديه أمانة حياة الإنسان. هذا العبء يستوجب يقظة مستمرة، وتطويراً للعلم، وتحملاً للضغط، والتعامل بحذر شديد مع كل قرار. هذه الأعباء الروحية والنفسية لا يمكن أن تُقدَّر بثمن، وهي ما يضفي على المهنة صفتها المقدسة.
 
ثانياً: دور الطبيب في نهضة المجتمع

الطبيب ليس مجرد معالج للأمراض الفردية، بل هو شريك في بناء صحة المجتمع ورفع مستوى الوعي الصحي. فنجاح الطبيب يقاس بعدد الأرواح التي أنقذها، وعدد المرضى الذين عالجهم بإخلاص وتفانٍ، وبجهده في البحث العلمي والوقاية من الأمراض.

إن النماذج المضيئة للأطباء الذين قدموا العلم والإنسانية على المادة هي التي ترسخ قدسية المهنة.
 
ثالثاً: نماذج مضيئة من الأطباء المصريين

مصر، بتاريخها العريق في الطب منذ الفراعنة (مثل إيمحوتب أول طبيب ومهندس في التاريخ)، وصولاً إلى العصر الحديث، قدمت للعالم قامات طبية رائدة جسدت معنى الإنسانية وقدسية المهنة. ومن أبرز هؤلاء:

1- السير مجدي يعقوب ..جراحة القلب والأوعية الدموية. فارس القلوب، أسس مركز أسوان للقلب الخيري لعلاج فقراء الأطفال والبالغين في صعيد مصر والمنطقة مجاناً، ويُعد مثالاً للتفاني العلمي والإنساني.

2- د. نجيب باشا محفوظ ..أبو طب النساء والتوليد في مصر. أسس قسم أمراض النساء والتوليد في مستشفى قصر العيني، وأسهم في تدريب أجيال من الأطباء، وحملت اسمه جوائز ومتاحف تخليداً لعلمه الغزير وجهده.

3-د. محمد غنيم | جراحة وزراعة الكلى…أسس مركز الكلى والمسالك البولية في المنصورة، والذي يعد صرحاً طبياً عالمياً يقدم خدماته للمواطنين مجاناً أو بتكلفة رمزية، ويُعرف بجهوده الإنسانية ورفضه لتحويل الطب إلى استثمار.

4- د. محمد أبو الغار | النساء والتوليد والحقن المجهري. | أسهم في علاج مشكلات الإنجاب ونقل علمه وخبرته، واشتهر بمسيرته الأكاديمية وخدمته الطويلة للطب في مصر.

5- د. علي باشا إبراهيم .. رائد الجراحة والطب الحديث في مصر… كان أول عميد مصري لكلية الطب بقصر العيني، وأول وزير صحة، وكرس حياته لإنشاء الصروح الطبية وتطوير التعليم الطبي في مصر.
 
…إضافة إلى الأطباء القامات الذين ذكرتهم سابقا هناك نماذج أخرى من الأطباء الذين يجسدون الإنسانية بمراعاة ظروف المرضى المادية في عياداتهم الخاصة، خاصة في المناطق الشعبية والريفية في مصر.

هذه الأمثلة قد لا تكون معروفة عالميًا، لكنها تشتهر محليًا بألقاب مثل “طبيب الغلابة” (طبيب الفقراء)، وتؤكد أن مهنة الطب لا تزال مقدسة في قلوب الكثيرين.

أمثلة حديثة ومعاصرة لأطباء كشوفاتهم رخيصة (طبيب الغلابة):

1. د. محمد مشالي (طبيب الغلابة الأشهر)

أ- التخصص: باطنة وأطفال.

ب- الموقع: طنطا، محافظة الغربية (وغيرها من القرى).

ج- الإنسانية: اشتهر بكونه يتقاضى رسوم كشف زهيدة جدًا (كانت في حدود 10 جنيهات مصرية في أوقات سابقة)، وتوفي عام 2020. كرّس حياته لخدمة الفقراء، وكان يعالج الكثيرين بالمجان تمامًا، بل ويشتري لهم الدواء أحيانًا. قصته أصبحت رمزًا للتفاني والتجرد من الماديات في مهنة الطب.
 
2. د. مجاهد مصطفى

أ- التخصص: أطفال.

ب- الموقع: أسيوط (محافظة الصعيد).

ج- الإنسانية: يُعرف أيضًا بلقب “طبيب الغلابة”، حيث يتردد على عيادته المئات يوميًا، ويتقاضى رسوم كشف رمزية جدًا أو مجانية للمرضى غير القادرين. عُرِف بجهوده في إنشاء مستشفى خيري لخدمة أهالي بلدته والمناطق المحيطة.
 
3. د. بهجت مليكه

أ- التخصص: باطنة وقلب.

ب- الموقع: المنيا (محافظة صعيد أخرى).

ج- الإنسانية: لقب بـ “طبيب الغلابة في المنيا”. يقدم الرعاية للمرضى برسوم مخفضة جدًا، ويعتبر مهنة الطب رسالة سامية وليست تجارة، ويحث زملاءه الأطباء على التحلي بالرحمة والتخفيف عن المرضى غير القادرين بسبب ارتفاع تكاليف العلاج والأدوية.
 
4. د. مصطفى سعد كراع

أ-الموقع: قرية الكيمان بإسنا، الأقصر.

ب-الإنسانية: طبيب يخصص عيادته لغير القادرين، وغالبًا ما يضع لافتة تنص على أن “الكشف مجاني لغير القادرين”، تنفيذاً لوصية والده. يعمل على علاج مرضى الغسيل الكلوي وغير القادرين بالمجان.
 
5. د. ناصر رمزي

أ- التخصص: أطفال.

ب- الموقع: محافظة الشرقية.

ج- الإنسانية: يُعرف بـ “طبيب الإنسانية في الشرقية”، ويعالج غير القادرين مجاناً في أيام محددة من الأسبوع، ويشارك في مبادرات خيرية لشراء الأدوية للمرضى البسطاء.
الخلاصة:

…تُظهر هذه الأمثلة أن روح الإنسانية والتضحية لا تزال حية في نفوس الأطباء المصريين، خاصة في المناطق التي ترتفع فيها نسبة الفقر والحاجة. هؤلاء الأطباء هم خير دليل على أن الطب، عندما يمارس بإخلاص، هو فعلاً مهنة مقدسة تضع شفاء المريض وراحته في المقام الأول قبل أي مكسب مادي.
 
….إن التحدي الحقيقي اليوم يكمن في الحفاظ على التوازن بين المتطلبات المعيشية العادلة للطبيب وقدسية المهنة. يجب أن تتضافر الجهود من النقابات الطبية، والمؤسسات التعليمية، والدولة، والمجتمع، لضمان:

1- تكريم الطبيب ماديًا ومعنويًا بما يليق بجهده وتضحيته، لكي لا يضطر إلى التفكير في الربح أولاً.

2- تفعيل القوانين الرادعة التي تجرّم الاستغلال الطبي والممارسات التجارية غير الأخلاقية.

3- إعادة ترسيخ الأخلاقيات الطبية في المناهج التعليمية والممارسة اليومية.

الطب سيبقى، وسيجب أن يبقى، مهنة مقدسة، حيث يُنظر إلى المريض على أنه كائن يستحق العناية والرحمة، وليس مجرد زبون أو مصدر دخل. هذه هي الرسالة التي حملها الأطباء عبر التاريخ، ومن واجبنا جميعاً الحفاظ عليها.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم