تقرير | الشوندر السكري في سوريا. بين الإرث الزراعي وفرص الإحياء الاقتصادية يُعد الشوندر السكري أحد المحاصيل الاستراتيجية التي شكلت عمودًا فقريًا للزراعة والصناعة السورية على مدى عقود، لما يمثله من رافد أساسي لصناعة السكر المحلية، وداعم لقطاع الثروة الحيوانية عبر منتجاته الثانوية، فضلاً عن دوره في توفير فرص عمل لشرائح واسعة من المزارعين والعمال في الصناعات التحويلية والنقل.قبل عام 2011، كانت سوريا تنتج نحو 2.2 مليون طن من الشوندر السكري سنويًا، ساهم إنتاجه من سهل الغاب في ريف حماة الغربي بما يزيد على نصف الكمية الإجمالية. هذا المحصول لم يكن مجرد مادة خام، بل جزءًا من منظومة صناعية متكاملة ضمت مجموعة من معامل السكر والخميرة والزيت والصابون والكحول، أبرزها معمل سكر تل سلحب ومعمل سكر حمص ومعمل سكر الثورة في مسكنة، التي كانت تعمل بطاقة عالية وتوفر منتجات ثانوية مهمة للعلف، مما عزز الاقتصاد الريفي وحقق قيمة مضافة ملموسة.مع اندلاع الحرب، تراجع إنتاج الشوندر تدريجيًا، حتى تحوّل في بعض السنوات إلى علف للماشية بعد فرمه، فيما توقفت زراعته لفترات طويلة، وعادت جزئيًا في عامي 2022 و2023 دون أن تُستكمل عملية التصنيع، نتيجة تدني الكميات وعدم الجدوى الاقتصادية لتشغيل المعامل بطاقة منخفضة. ووفق تقديرات وزارة الصناعة في حكومة النظام السوري، فإن دورة إنتاج تقل عن 100 ألف طن من السكر تعتبر غير مجدية اقتصاديًا، بينما الكميات المنتجة لموسم الشوندر الأخير تراوحت بين 35 و40 ألف طن فقط.تعود أسباب هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها ارتفاع تكاليف البذار والأسمدة والمحروقات، وعدم استقرار الأسعار بما يتناسب مع الجهود المبذولة في الزراعة، إلى جانب تضرر شبكات الري ونقص المياه، ما انعكس سلبًا على جودة المحصول وحجم المساحات المزروعة. كما أن عمر المحصول الطويل ومكوثه في الأرض لفترات طويلة يمثل تحديًا إضافيًا للمزارعين، الذين وجدوا أن تحويل المحصول إلى علف أقل مخاطرة وأكثر جدوى في ظل الظروف الراهنة.زراعيًا، يحتاج الشوندر السكري إلى تربة خصبة تحتفظ بالرطوبة، وري منتظم كل عشرة إلى خمسة عشر يومًا، مع مراعاة درجات الحرارة، حيث تتطلب المرحلة الأولى بين 20 و30 درجة مئوية، في حين تحتاج مرحلة تكوين الجذور إلى أجواء أبرد بين 10 و20 درجة. ومع محدودية المياه والجفاف المتكرر، يظل توسيع المساحات المزروعة تحديًا مستمرًا.في مواجهة هذه التحديات، اتخذت الجهات الحكومية خطوات لإعادة تفعيل المحصول، شملت رفع أسعار استلام المحصول، وتوفير بذار محسّنة، وتشجيع الزراعة التعاقدية، إضافة إلى تأهيل خطوط الإنتاج في بعض المعامل، إلا أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لضمان ربحية حقيقية للمزارعين وإعادة الثقة إلى الدورة الزراعية والصناعية.يبقى الشوندر السكري، رغم كل الصعوبات، حجر أساس ضمن منظومة الأمن الغذائي السوري، وإعادة إدراجه الفعلي في الخطة الزراعية يتطلب توافر الموارد المائية، وضمان تشغيل المعامل بطاقة مناسبة، وتوفير دعم شامل للمزارعين. وبين الإرث الزراعي والفرص الاقتصادية المحتملة، يظل هذا المحصول اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات الزراعية والصناعية على الجمع بين الجدوى الاقتصادية والاستدامة البيئية، لتستعيد سوريا دورها في إنتاج السكر محليًا وتقليل الاعتماد على الاستيراد. يطرح الشوندر السكري نموذجًا واضحًا لتحديات إعادة بناء الاقتصاد الزراعي بعد سنوات من الانقطاع، ومثالًا على أهمية تكامل الجهود بين الزراعة والصناعة لضمان الاستفادة القصوى من الموارد المحلية وتحويل الإرث التاريخي لمحاصيل استراتيجية إلى فرص تنموية مستدامة………………………… تقرير : #سوريات_Souriat# مجلة ايليت فوتو ارت ..


