الشاعرة والكاتبة التونسية فاتن الكشو ـ تؤكد ان تجربتها وليدة علاقة خاصة ومتفردة

فاتن الكشو: أحلم بشعر يوحّد لغات البحر الأبيض المتوسط

شمس الدين العوني

الشعر مدونة المجتمع ومرآته الحضاريةترى الشاعرة والكاتبة التونسية فاتن الكشو في حوارها أن استحضار البدايات يبدو أمرا ملهما لأي كاتب أو شاعر أو مبدع، فالإرهاصات الأولى تضم دوما تباشير الروح البكر، التي تستفيق من غفوة الطفولة على أصوات الوجود الهامس أو الصاخب حولها.وتقرّ بأنّ تجربتها وليدة علاقة خاصة ومتفردة بمحيط يزخر بكل ما هو ثقافي وتاريخي، إذ نشأت في مدينة رومانية التاريخ، حالمة، يتوسطها مسرح أثري شامخ يعاند زمن “تيسدروس”، وتلف هذه الآيات من الإبداع الحضاري حقول زيتون خضراء استمر أهل هذه المدينة في غراستها على مدى عهود طويلة، قائلة “كنت حيث ما وجهت وجهي تلقفتني أغاريد الطبيعة، وجذبتني قصص التاريخ المخفية في المعالم القديمة التي تسللت إليها في طفولتي البكر ونهلت من عبق مآثرها، مما وطّأ السبيل لنشأة خيال مجنح، ناهيك أنني كنت مولعة بالإبحار في ثنايا الروايات التاريخية وسير الملوك والأباطرة حول كل الحضارات المتعاقبة على بلادنا وغيرها كذلك”.وتضيف “كنت أسائل الأطلال عن تاريخ لا يزال عبقه يزكم أنفي. فكتبت قصصا قصيرة وخواطر امتزج فيها الشعر بالنثر والتاريخ بالواقع. ثم عرفت الألم بفقدي المبكر لأمي، فنفثت أحزاني زخّات شعرية أتلوها لرفاق المراهقة المزهرة. وبعد فترة من أجيج الخواطر انسكبت مع عطر روحي على شفاه الورق الأبيض البكر، تدافعت روايات من فيض خيالي للولادة، وصدرت للقراء سابقة انفضاح شعري للملإ”.الكتابة الشعريةحول علاقة الشعر بالنقد ترى الكشو أنه يمكن مقاربتها من زوايا متعددة، فالشعر هو اللغة في مظهرها البكر منذ فجر الإنسانية، هو الرمز والاستعارة، هو الانزياح بالعبارة من حقولها الدلالية المألوفة، لخلق معان جديدة لها في سياق مختلف عن سياق الوصف ونقل الوقائع.وتتابع “أما النقد فهو تفكيك الانزياح بل إنه يصل إلى التأويل الذي يستدعي حضور ذات متلقية تملك أدوات تفكيك مركبة بين البنيوية والشكلانية والتداولية ونظرية التلقي، وهذه الذات المؤولة المفككة تسعى بعبارة بول ريكور إلى رأب الصدع بين المتلقي والنص وتؤوله من خلال وعيها الخاص وهي نظرية الهرمينوطيقا (علم التأويل). وهنا يلتقي النقد والشعر في نقطة واحدة هي الرؤيا الشعرية وذاتية الشاعر تقابلها ذاتية الناقد المتلقي”.تسألها “العرب” عمّا أضافت لها كتابة القصيدة، إذ تعتبر هذا السؤال من أهم الأسئلة التي وجهت إليها، إذ أنه يلبسها عباءة الناقد لتمارس التأمل الانعكاسي على قصائدها وتحاول أن تبحث عن وجه الإضافة أو التجديد فيها. مضيفة “في الحقيقة ورغم أنني لم أنشر سوى مجموعتين شعريّتين فلي رؤيا خاصة في عالمي الشعري كذات متفاعلة مع الإرث الشعري العربي ومع راهن القصيدة العربي والعالمي.”أما عن أحوال القصيدة العربية والقضايا الشعرية التي شغلتها مع جيلها، فتقول “شهد الشعر العربي منذ فترة محاولات عديدة لتأسيس حداثته، منذ أدونيس وأنسي الحاج ونازك الملائكة وبدر شاكر السياب مرورا بتجارب عميقة خاضها شعراء مثل محمود درويش وسميح القاسم وأمل دنقل.”وتضيف “وتتراوح تجاربهم بين محاولة الاستغناء عن عمود الشعر (بنيته العمودية الكلاسيكية وشروطه الوزنية) وبين خوض تجربة الأسطر الشعرية، سواء كانت باعتماد التفعيلة أو باعتماد أسلوب التدوير كما يظهر ذلك لدى الشاعر اللبناني شوقي بزيع، وأيضا اعتماد الإيقاع البصري في شكل القصيدة من ذلك طول السطر وقصره وعلامات التنقيط والفراغات والبياض والإيقاع الصوتي المختلف عن نظيره في القصيدة العمودية الذي يعتمد على توازن التفعيلات والصدر والعجز والروي والتصريع”. أما على مستوى المضمون فقد عمل رواد الشعر الحديث، وفق قولها، على تكثيف الترميز في قصائدهم واعتماد مرجعيات تراثية وأسطورية في أشعارهم، لتبدو الذات متقمصة لهُويّة عَلَم من الأعلام وتظهر للمتلقي بشكل مخاتل غامض، فالقصيدة تنبت من قاع الذات في أخص خصوصيتها لتطفو على سطح الراهن الاجتماعي والسياسي المحلي والعالمي.وتقرّ الكشو أن لحظة الكتابة هي لحظة عسيرة. متابعة “هي لحظة تأزم واختلاج فتبوح الذات بما عجزت عن احتمال صهده مخزنا. ويمكن القول إنها لحظة فيضان وخاصة في كتابة القصائد، لأنني لا أكتب لملء البياض أو لأصدر أكثر عدد ممكن من المجاميع الشعرية، تفيض جوانب النفس بما تنوء بحمله وتكون القصيدة سيلا من التداعيات والاعترافات والملابسات”.بعض الشعراء مروا إلى الرواية وأبدعوا فيها. وهذا ما تؤكده الشاعرة والكاتبة التونسية، معتبرة أن شعراء كثيرين خاضوت تجربة السرد من خلال الرواية واستحسن النقاد ذلك فنيّا وخاصة من حيث جمالية النص، مضيفة “نحن نعلم أن علاقة الشعر بالمسرح (نص حواري يتضمن السرد) كانت وطيدة خاصة الشعر الملحمي والنصوص الأسطورية والترانيم وأناشيد الجوقات، وقد ألف شعراء كبار مسرحيات عظيمة يقوم النص والحوار فيها على الشعر، فمثلا حين نقرأ أو نتابع مسرحية ‘روميو وجولييت‘ (حوالي 1595م) لشاعر انجلترا وليام شكسبير وقد وظف فيها الخيال ومقاطع من شعر ‘السونيت‘”.أما عن جدوى الشعر في الزمن الراهن، فترى أنه سؤال يطرح عدة إشكاليات من قبيل هل نكتب الأدب والشعر لهدف اجتماعي وسياسي وحضاري؟ أم نكتبه لذواتنا؟ من وجهة نظرها في كلتا الحالتين يكتسي الشعر بعدا عميقا وينهض بوظيفة محورية في حياة الفرد كما في حياة الناس والمجتمع، فهو وسيلة تعبير مثالية للتعبير عن الهم الذاتي والرغبة في إثبات الوجود ولنحت كيان الهوية الجماعية. فالشعر مدونة المجتمع ومرآته الحضارية رغم فرادته وصبغته الذاتية.”الرّواية والشعر والمتوسطيتعتبر فات الكشو مغامرتها مع الرواية هي أغنى المغامرات الإبداعية التي خاضتها لأن الرواية فن شامل كالمسرح، فكي تكون روائيا عليك أن تكون شاعرا وفنانا تشكيليا و”سيناريست” ومخرجا سينيمائيا ومؤرخا وحكّاءً وممثّلا بارعا. كلُّ هذه الفنون تتآلف وتتعاضد لتكوّن الرواية بمعمارها المركب، وهي حديثة الظهور في العالم العربي (مرت مئة سنة ونيف على ظهور أول رواية في العالم العربي وهي رواية “زينب” لمحمد حسين هيكل)، وهي لا تزال منفتحة على التجريب والبحث عن التشكل، لأنها لحد الآن لم تأخذ بعد شكلا موحدا ومتفقا عليه في العالم العربي خاصة وحتى في العالم الغربي. وتواصل “هناك مضامين أبثها في رواياتي تتعلق بشغفي بالأديان واللاهوت وهو اختصاصي البحثي الأكاديمي، من ذلك مثلا أنني وظفت نظرية تناسخ الأرواح في رواية ‘زمن الكلام الأخير‘. أما القصص التي كتبتها فكانت ذات بعد إنساني شديد العمق وكان أغلبها يعالج قضايا اضطهاد المرأة والطفل والعمال وذلك في مجموعتي ‘رفاق الشمس‘. وفي القصة الفرنسية ‘Des mots‘ تحدثت عن التعذيب في سجن برج الرومي التونسي”.تتحدث الكشو عن تجربتها بحميمية أعمق، تقول “لا زلت مبحرة في بحر الشعر وأمواج السرد تتقاذفني لأنسج من فيض الإحساس والمعاني أكسية من كلام، وأقول متوجهة بخطابي لجيل الشباب من الكتّاب خاصة: ‘اقرأ كثيرا قبل أن تكتب فالقراءة هي الوجه الأول والقاعدة التي ترتكز عليها الكتابة لأنها تمنحك رؤية ورؤيا عميقتين لمتصورك الإبداعي ومن خلال القراءة تتشكل لغتك وتتهذب‘. يقول الروائي الكولومبي الشهير غابريال غارسيا ماركيز: ‘هناك عشرة آلاف سنة من الأدب خلف كل قصة نكتبها‘، وهذا ما يجعل الاطلاع ومراكمة القراءات مفيدا جدا للكاتب ليتمكن من خلق منجزه الأدبي.”تسألها “العرب” بماذا تحلم ككاتبة تكمن فيها الشاعرة والإنسان؟ فتجيبنا “أحلم بشعر متوسطي تتجاوب فيه لغات البحر الأبيض المتوسط التي لها علاقة باللغة العربية، وكانت دائما محتكة بها وفي المقام الأول اللغة الاسبانية، لأنها تاريخيا تعايشت مع العربية في فترة ازدهار الأدب والفكر الأندلسيين، وكما تطور الأدب الأسباني وتأثر بالعربية من خلال ازدهار حركة الترجمة من العربية للأسبانية منذ قرون”.وتتابع “في اعتقادي لا بد من البحث معمقا في هذا التلاقح القديم الجديد ولا بد من ظهور الشعر المتوسطي (الاهتمام بدراسة الشعر البرتغالي والإيطالي والفرنسي أيضا) كمشروع ثقافي كبير يوسع دائرة اهتماماتنا الشعرية ودائرة التلقي لشعرنا وليكون كونيا وننجح في تجديد الشعر وفي مغامرة الكتابة عوض أن نقع في فخ المحاكاة والتكرار السلبي الخاوي# صحيفة العرب اليوم# مجلة ايليت فوتو ارت

أخر المقالات

منكم وإليكم