الشاعرة: عفاف محمود الخليل…من دفءِ الأم إلى مكتبة الأب… وُلدت عندها القصيدة.- تقديم: يمامة حمص.

عفاف محمود الخليل… ابنة الحارة الحمصية التي أزهرت من ذاكرة الأم وكتب الأب

إيليت فوتو أرت – يمامة حمص

في حارةٍ من حارات حمص، وُلدت ملامح الأديبة عفاف محمود الخليل الأولى، بين أمٍّ جعلت من التعب محبةً صامتة، وأبٍ مدرّسٍ للغة العربية عاشقٍ للشعر والكتاب. هناك، تشكّل وعيها على الخير والعمل والقراءة، وتفتّحت روحها على عوالم الأدب، لتغدو الكلمة امتدادًا لذاكرة البيت، ومرآةً لإحساسٍ عميقٍ بالحياة والإنسان.

-الأديبة عفاف محمود الخليل، المشبعة بالإحساس… كيف تصف نفسها؟ وما موقعها في الساحة الثقافية؟
المكان حارةٌ من حارات حمص، الزمان زمنٌ بعيد
الشخصيات: نحن… أنتم… أنا…
أذكرُ أمّي… تلك المرأة التي أدمن جسدُها العمل، وتعلّق قلبُها بالخير. كانت تمضي، فتتبعها الأمكنة، كأنها تتحكّم بمحور الكون.

تغسل جراحنا بصمت، وتفتح الجهات من بين أناملها، تحمل يقظة البيت على كتفيها، وتعليم الصغار في قلبها، وتربّي فينا إصرارها العميق على أن ندرس، وأن نصبح حلمها الذي طالما انتظرته.

وأذكرُ والدي مدرّس اللغة العربية، العاشق للشعر، الطاعن في محرابه حتى النخاع، زرع في رفوف المكتبات أكثر من ثلاث عشرة مجموعة شعرية، وما يزيد على عشرة كتب أدبية أخرى.
كان ناسكًا في صومعة الكتب؛ تمتدّ عوالمه من ألف ليلة وليلة، مرورًا بالمتنبي وبشّار بن برد، وسميح القاسم، وصولًا إلى نزار قباني، ومحمود درويش، وغيرهم من حرّاس الجمال والكلمة.

والدي الذي أهدانا الحقول، فأزهرت شعرًا، وأهدانا عادة القراءة، وحضور الأمسيات والمسارح، فصارت أرواحنا روابيَ مثمرة.
كان حين يعود إلى البيت تستيقظ الحارات، وحين يهديني المجلات الشهرية وكتب الشعر المخصّصة للأطفال، كنت أشعر كأنه يقدّم لي فرحًا معجونًا بالمحبة، ووجبة ثقافية كاملة لا تنتهي قبل أيام.

كلما أنهى كتاباً، وضعه في رفوف المكتبة، لأتلقّفه أنا وإخوتي في الأيام التالية، فيصير ترنيمةً حنونة تلوّن أيامنا، ونداءً مجنوناً إلى هذا العالم الجميل والصعب في آنٍ معاً.

كانت الأيامُ أنشودةً، وكان الطريقُ إلى مدرستي مسافةً من برد ٍ ودهشة.
هناك، بدأت الأسئلة تتلوّن بي، وكنتُ أفتّش عن أجوبتها الأولى في الكتب. درستُ الأدب الإنكليزي، ثم دبلوم التأهيل التربوي، فدخلتُ عوالم الشعر من نوافذها الواسعة، وقرأتُ لدانتي وتينسون وبايرون وشكسبير. شعرتُ يومها أنني سأكون يتيمةً من دونهم؛ فقد منحوني عائلةً من اللغة، ووطناً من الخيال، وأفقاً أرحب للروح.

كيف بدأت علاقتكِ بالكتابة الشعرية، وما اللحظة أو التجربة التي جعلتكِ تشعرين أن القصيدة طريقتكِ الأصدق للتعبير عن الذات والعالم؟
بدأت المفردات تصحو في رأسي منذ أيام الجامعة، ثم أخذت طريقها إلى الصالونات الأدبية والمنتديات الشعرية، وبعدها إلى المجلات والصحف والمنابر الثقافية.

كانت الكلمة تصنع في أعماقي ثورةً، وتصنع في الوقت ذاته زنزانةً؛ إذ كنتُ أحفظ الشعر، وأكتب الوجع، وألوّن الكلمات حتى ترفرف حولي، ثم تعانق الورق وتندلق قصيدةً.

لم تكن القصيدة بالنسبة إليّ ترفاً لغوياً، ولا تمريناً على البلاغة، بل كانت طريقتي الأصدق لأقول ما لا يُقال.
كانت تختصر يُتم الفرح، وتنهيدةَ حبيب، ويأساً مستحيلاً، وذاكرةً صنعها الوطن.

في القصيدة تركض غزلان روحي، فأركض معها حيناً، وأخرج منها حيناً آخر لأنتفض لجرحٍ إنساني.

أدخل مملكة الأنثى تارةً، وأرتّب كرنفالاً آدمياً ينظّم دورتي الدموية تارةً أخرى.

ومع الوقت، اكتشفتُ أنني بالشعر أُورق بالنور، وأغتسل بالحب، وأرى العالم بعينٍ أكثر قدرةً على الرحمة والجمال.

خلال مسيرتكِ الأدبية، ما التحوّلات الأبرز التي مرّت بها لغتكِ الشعرية، من البوح المباشر إلى الرمز والتكثيف والتأمل الوجودي؟

في البدايات، كنتُ أحفظ الشعر العمودي، وكانت موسيقى بحوره تتردّد في رأسي طويلاً. كنتُ أخرج إلى عباءة والدي لأكتب بعض الأبيات العمودية، وكأنني أقول له: أنا أيضاً عرفتُ السرّ.
هكذا بدأت علاقتي بالشعر المقفّى؛ ذلك الشعر الذي يشدّ عود القصيدة حتى تقوى على المشي، ويمنحها صلابة الإيقاع ووقار اللغة، ومن تلك المرحلة كتبتُ:
ألمُّ الليلَ أسكبهُ بقلبي وكلُّ هواجسي أخشى عليها أنا إن ضمّني يومٌ عقيمٌ أسرّحُ مهجتي وأتيهُ تيها كذا لو دارت الآلامُ فينا كصوفيٍّ إذا ما دار فيها

ثم جاءت مرحلة شعر التفعيلة؛ الشعر الذي يحرّر الإيقاع من صرامته من دون أن يقطع صلته بالموسيقى. كان يرتّب الأفكار، ويهدهد الكلمة بنبضه الخاص، ويفتح أمامي مساحةً أرحب للبوح. وقد بدا ذلك واضحاً في مجموعتي الأولى “نبضات عاشقة”، حيث أقول:
تعالَ نرتّل جروحَ الرجوع إلى صمتنا تعالَ نخربش خطوطَ السكينة في بوحنا تعالَ نعرّي الدروب التي تلتقي ها هنا وقلبي يشيلكَ كالياسمينةِ مثلي أنا

بعد ذلك، اتجهتُ إلى قصيدة النثر، بما تحمله من رمزية وتكثيف واشتغال عميق على الصورة، جاءت لتعبّر عن تعقيد الذات البشرية، وعن قلق الإنسان العصري الذي لا يكفّ عن كسر القيود. كانت خروجاً من تابوت الوزن والقافية، لا خروجاً من الشعر، وبحثاً عن شكلٍ آخر له؛ شكلٍ حرّ كطائر، وعميق كمجد، وسهلٍ ممتنع في الوقت نفسه.
وفي مجموعتي الثانية “أزمنة لصيف آخر” قلتُ:
وأنا أعدُّ تجاعيد وجهي عثرتُ على ابتسامة فأخفيتهم جميعاً

أما في مجموعتي الثالثة “إليكَ أشيلُ ارتحالي”، فقد ذهبتُ أكثر نحو العمق والتأمل الوجودي. صارت القصيدة عندي مساحةً للأسئلة الكبرى: سؤال الذات، والغياب، والحب، والرحيل، والوطن، والمعنى. لم تعد اللغة تكتفي بالبوح المباشر، بل أصبحت أكثر ميلاً إلى الرمز، وأكثر اشتغالاً على التكثيف، وكأنها تحاول أن تقول الكثير بأقلّ ما يمكن من الكلمات.

عن صعوبات الشعر في زمن المنابر الإلكترونية
لا بدّ من وجود صعوبات كثيرة في طريق الشعر، ولا سيّما في زمن بات يُنظر فيه إلى الشعر على أنّه رفاهية، في حين أؤمن أنّه منقذ حقيقي؛ لأنه يعكس التاريخ، ويحفظ العلاقات، ويصون ذاكرة الشعوب.
لقد سرق العصر الإلكتروني كثيراً من المنابر التقليدية، والجمهور الذي كان ينتشي بالشعر اتجه إلى صخب العالم الأزرق، وإلى فضاءٍ حاضر وغائب في آنٍ معاً.

كما ازدادت السرقات الأدبية بلا رادع أخلاقي، وتراجعت الكتب التي كانت تعانقنا برائحتها وروحها الحاضرة. وازداد أيضاً من يركب موجة الشعر الحديث، حتى بات كل من صفّ جملتين أو أكثر يُحسب شاعراً، وكل من كتب هواجس أو هلوسات يُسمّى أديباً.

لكن، برأيي، يبقى الفضاء واسعاً، والمنابر حاضرة، وكلها تليق بالقصيدة الحقيقية،فحين يكون الشعر محمّلاً برسالة صادقة، فإنه سيجد طريقه إلى الصحف والمجلات، وإلى منابر المراكز الثقافية على امتداد الوطن، بل وحتى إلى مواقع التواصل الإلكتروني.

بعد سنوات من الكتابة والنشر، كيف تنظرين اليوم إلى مسيرتكِ الشعرية، وما المشروع الأدبي أو الرسالة التي ما زلتِ تسعين إلى ترسيخها من خلال قصائدكِ؟
بعد سنوات من الكتابة، لا أرى تجاعيد تظهر على وجه القصيدة، ولا خطوات عرجاء وهي تسير في دمي؛ لأن سلال الحبق في الروح لا تشيخ. فالزمن قد ينسى كثيرين ممّن رحلوا، لكنه يحتفظ بقصائدهم.

الكلمة أكثر بقاءً من الإنسان، ولأن الشعر مرتبط بالروح، فلا عمر للكلمة، فهي حاضرة في كل زمان ومكان.
إن السنوات التي تمرّ لا تفعل سوى أن ترسّخ الألم، والصحوة، والحياة التي عبرتُها، وتعكس المواعيد المحفوظة في أقفاص الذاكرة، وفي دفاتر الكتب الخالدة.

وبما أنني درست دبلوم علوم الطاقة، تراودني فكرة أن ألوّن الشعر بالإنسان، وأن أسرد الشعور منذ الأزل، وأن أعلّم الخوف كيف يصوغ عناقيده، وأشذّب الألم حتى يليق بمهرجانات القصيدة.

كونكِ زوجة وأمّاً، هل حُرمتِ من بعض الفرص التي كان من الممكن أن تدعم مسيرتكِ الأدبية؟
طبعاً، لا يخلو الأمر من ضياع بعض الفرص، كالسفر خارج البلاد من أجل الشعر. لكن الزوج، الذي كان عاشقاً وحبيباً وما زال، هو من استفزّ حدائق شعري، وساق الغيم والمطر، وقاد الضوء إلى جهات القصيدة. لقد احتفى الشعر بمجيئه، وحزن بغيابه، وصوّر رائحة الفقد حين رحل، وهلّل له حين عاد وهو يسحب النهار بيديه.

أما الأولاد، فقد سرقوني من حدائق الشعر لأنني كرّست نفسي لهم، لكنهم في الوقت نفسه كانوا ملاذ القصيدة في مرات كثيرة، فهم من جعلوا القصيدة تهرول نحو الفجر بجناحين من سند وأمان وحكايات، وهم من أيقظوا صباح اللغة في داخلي، لأدرك أن كل المشكلات سترحل، ولن يبقى إلا الكلمات لتلوّن الحياة.

معرض الصور:

أخر المقالات

منكم وإليكم