الشارع السوري عماد الدين موسى يحاورالكاتب اللبناني عقل العويط.

عقل العويط: أعيش في حالة كتابة دائمة 

عماد الدين موسى،الكاتب اللبناني عقل العويط

 ينتمي الكاتب اللبناني عقل العويط إلى جيلٍ ثقافيّ تشكّل عند تخوم الشِعر والصحافة والفكر، وراكم حضورًا لافتًا عبر تجربة كتابيّة طويلة اشتغلت على الكتابة باعتبارها مسارًا وجوديًّا.أصدر خلال مسيرته عددًا من المجموعات الشِعريّة والكتب التي كشفت عن حساسيّة عالية تجاه الذات والعالم، وفتحت نصوصه على تخوم السرد والتأمّل والنصّ المفتوح، مع حفاظها على نبرة خاصّة تتكئ على العمق والصفاء.يأتي هذا الحوار مع العويط بالتزامن مع صدور كتابه الجديد “كتاب الغرفة” عن دار نوفل/ هاشيت أنطوان، ليضيء الخلفيّات الداخليّة لهذه التجربة، ويقارب لحظة الكتابة من داخلها، من دون وسائط أو تصنيفات جاهزة. (*) كيف وُلدت فكرة الكتابة عن الغرفة، وما الذي جعل هذا المكان يستحق أن يتحوّل إلى كتاب كامل؟لا أعرف كيف وُلدت هذه الفكرة. صدِّقني، أنا لا أعرف. كلّ ما أعرفه، أنّه يكفيني الجلوس وراء مكتبي، أمام شاشة الكومبيوتر، أو أمام الورقة والقلم، وأنْ لا أفكّر في شيء، أو في موضوع، لكي أدخل في حالة الكتابة.يلازمني هذا الطقس، هذا المزاج، منذ أيّام دراستي الجامعيّة. بل إنّ حياتي برمّتها موصولة بهذا الخيط السرّيّ. “الموضوع”، أي موضوع الكتابة، لا أفكّر فيه، ولا أستدعيه. هو يأتي إليَّ من تلقائه، ويلحّ، ويستولي على وجودي، لسببٍ أعتقد أنّه قائمٌ في لاوعيي، في هواجسي، وأحلامي. وعندما يحضر هذا “الموضوع”، أجدني منساقًا إليه، ومتورّطًا فيه، كأنّه كياني الآخر، الذي ينبغي له أنْ يمثل أمامي. ولأنّه حاضرٌ بهذه “القوّة الفلسفيّة”، يصير للتوّ، وفي الآن نفسه، موجودًا بالفعل، وحاضرًا في اللغة التي تفسح له ليتّخذ جسمًا، ويصير كائنًا قائمًا في ذاته. وآنذاك يعيش بذاته، وفي ذاته.هذا في المطلق، أمّا “كتاب الغرفة” تحديدًا، فأعتقد أنّه كان في البداية محض نصٍّ من 1400 كلمة عن الغرفة، غرفة الكتب، والمكتب، والتأمّل، والجلوس، واللقاء بالآخر، والنوم. عندما نشرتُ هذا النصّ في الملحق الثقافي لجريدة “النهار” اللبنانية، اتصلت بي كاتبةٌ مرموقة وصاحبة دار أدبيّة للنشر، لتسألني عن النصّ، “أهو فصلٌ من كتاب؟”، كان هذا السؤال بمثابة إشارة خفيّة، فرأيتني “أرتمي” في الكتابة، وخلال أشهر قليلة صار النصّ كتابًا… عن الغرفة. بل صار “كتاب الغرفة”.(*) يبدو النص وكأنّه كُتب في حالة اندفاع داخلي طويل، كيف عشت هذه التجربة على مستوى الوعي والذاكرة أثناء الكتابة؟صحيح. فقد وجدتُني في حالٍ من الكتابة هي أشبه بسيلٍ متدفّق، وكنتُ منصاعًا لها، وراضيًا بها، ومشغوفًا بأنّي “تابعُها” و”خادمُها”. لم يخطر في البال أنّي قد أتوغّل في ما يشبه “الانهيار الثلجيّ” الذي تتدفّق معه، خارج أيّ سياقٍ روائيٍّ، فصولٌ وملامحُ من لغتي وأسلوبي وأنايَ، وذكرياتِ حياتي والحوادث والأزمنة والأمكنة، والتأمّلات والتداعيات والاستدعاءات والخواطر والمشاعر.حالةٌ في الكتابة توازي انكشافَ فجوةٍ غائرةٍ في الكيان، في الزمن، في تأليف اللغة، وقد طفتْ بجموحٍ على السطح. كمثلِ ثَورَانِ بركانٍ خامدٍ، راحتْ مقذوفاته تتشظّى على طريقة الفوضى الأدبيّة الخلّاقة، من دون استدخالِ رقابةٍ بنيويّةٍ لضبطها، أو تجلّي رغبةٍ في تنظيم ما ينجم عن التدفّق، مع بقاء أسلوب التعبير متماسكًا من غير تفكّكٍ أو اضطراب.اكتشفتُ أنّ الانشلاق الثلجيّ لا يتوقّف، وأنّ السيل الكتابيّ يجرف في مساره حالات واستذكارات يستحيلُ إعمالُ المحو فيها أو الحذف منه أو التحفّظ عنها أو التقديم والتأخير.علمًا أنّ تلك الحالة من الفوضى الأدبيّة الخلّاقة، بما تنطوي عليه من فورانٍ وعنفٍ وانفعالٍ وعشوائيّةٍ وعدمِ انضباط، لا تنعكس في لغة الكتابة الجانحة نحو انسياب سرديّ صوفيّ أليف، قوامُهُ الوئامُ والمكاشفةُ والرحابةُ والتضامنُ والاتّحادُ القلبيُّ– العقليُّ– اللغويُّ– الأسلوبيّ.كاجتماعِ الذاتِ مع الذات. كانضمامها على نفسها بما فيها من متناقضاتٍ وندوبٍ وكسورٍ، وأملٍ وحبٍّ وعدمٍ ويأسٍ، وعيشٍ وموتٍ ورفضٍ للموت. كاجتماع وقائعَ وحوادثَ وإخوةٍ وأخواتٍ وأحبابٍ، من أزمنةٍ وأمكنةٍ وأعمارٍ وحالاتٍ مختلفة، حول مائدة البيت، وهي مائدة الغرفة.نصٌّ، كعشاءٍ سرّيٍّ ليس فيه خائنٌ.(*) في أي لحظة شعرت أن ما تكتبه تجاوز حدود المقطع أو الفصل ليتحوّل إلى كتاب مستقل بذاته؟بعد اتصال الروائيّة المرموقة بي، وسؤالها عن هذا المقطع، عرفتُ أنّ “الكتاب” قد كُتِب، وليس عليَّ سوى أنّ أسهّل عبوره إلى الحبر. أرجو أنْ تصدّقني، وأنْ يصدّقني القرّاء. ليس عندي ما أزعمه في هذا الشأن، ومن طبيعتي وطبعي أنّي لا أحبّ الادّعاء، وتضخيم الأمور. كانت حالي، آنذاك، كحال النهر بعد أنْ يتدجّن عنفوانُ النبع، ويشقّ الماءُ سبيله صافيًا رقراقًا قبيل انضمامه إلى البحر. وقد حصل ذلك كمثلِ ما يُتَصوَّر عن حالةِ خلقِ الكون، دفعةً واحدةً، أي على دفعاتٍ، وأيّام. كما في زمنٍ واحدٍ تتداخل فيه الأزمنة، ويتواءم فيه الليل والنهار، ويتكاثف اختلاطهما حدّ الإحساس بأنّ التدفّق يحصل في لحظةٍ واحدةٍ، حيث الحاضر والماضي معًا، وحيث ينغمس الماضي والحاضر في الآن نفسه، وفي الإناء نفسه.وقد استنتجتُ، نقديًّا، وبنيويًّا، وكيانيًّا، بعد أشهرٍ كتابيّةٍ متلاحقةٍ من صيف 2016 وخريفه، أنّ ما ظننتُهُ، بدايةً، محضَ فصلٍ أو مقطع، هو في حقيقته شيءٌ من حالةٍ سرديّةٍ، من سيرةٍ، من نصٍّ مفتوحٍ، ومن كتاب. لذا، رأيتُ أنّه يجوز استدخالُ نصوصٍ متوائمةٍ أخرى فيه، كُتِبتْ في مراحل لاحقة. وهذا ما كان.(*) الغرفة في الكتاب تحتضن الذاكرة واللغة والجسد، كيف ترى علاقتك اليوم بالأمكنة التي شكّلت وعيك الأول؟الأمكنة الأولى هي معي، وفيَّ. بل هي سائلةٌ في لغتي وأسلوبي. أنا شخصي، الآن، وغدًا، وأمس، وأوّل من أمس، وبعد غد، لا أزال مقيمًا في تلك الأمكنة الأولى التي لا تبارح كياني. لكنّي مقيمٌ في الآن، وفي العالم، أي في النسيم الكونيّ، في مسقط الرأس، في بيروت، في باريس، في الثقافات، والحضارات، والكائنات، والبلدان، والكتب، والموسيقات، والفنون، والنساء، والمرأة خصوصًا.كلّ مكانٍ أقمتُ فيه، وكلّ شخصٍ عرفتُه في حياتي، مقيمٌ فيَّ، حدّ أنّي، أحيانًا، أشعر بأنّي مؤتمنٌ على “هؤلاء” جميعهم، مثلما أنا مؤتمَن على جسدي وروحي وعقلي وكينونتي. كتاباتي كلّها، وأسلوبي، هي وارثة هؤلاء، لكنْ بصفتها حرّةً ومتحرّرةً منهم. أنا الآن خالق تلك الأمكنة الأولى، وأولئك الناس، وخالقٌ حياتي، وشخصي، والعالم، بلغتي الشخصيّة، وبأسلوبي. (*) يتقدّم “كتاب الغرفة” خارج التصنيفات الكلاسيكية للأجناس الأدبية، هل كان هذا الخيار واعيًا منذ البداية أم فرضته طبيعة التجربة؟أنا كاتبٌ وشاعرٌ أحبّ أنْ أكون خارج التصنيفات، وأنْ أعامَل وأُقرأ على هذا الأساس، فكيف لا يكون “كتاب الغرفة” خارجها أيضًا. أقول لكَ بقوّة إنّي منذ بداياتي الكتابيّة إلى الآن، لا أفكّر مسبقًا في “الجنس الأدبيّ”، ولا في الشكل، ولا أيضًا في “الموضوع”.هذه الغرفة نفسها، وغيرها من “المواضيع” والحالات و”الأفكار”، ربّما أكون قد كتبتُها سابقًا على طريقة قصيدة النثر، لكنْ وفق معاييري الخاصّة، وربّما قد كتبتُها على طريقة السرديّة الشِعريّة، الأقرب ما تكون إلى قصيدة النثر الطويلة، لكنْ أيضًا وفق معاييري الخاصّة.لا أتقيّد بـ”نموذج”، ولا بـ”أصل”، ولا بـ”مرجع”. كلّ ما أعرفه في هذا الشأن، بل كلّ ما يعنيني، هو أنّ الحالة هي التي تضعني في “الجنس الأدبي” الملائم لتعبيراتها، وبناها، وإيقاعاتها. وهذا مرتبطٌ عندي بحضور اللّاوعي، وتدخّله اللّامرئيّ واللّامحسوس في عمليّة الخيار الأسلوبيّ والبنيويّ. وعندما تعثر هذه الحالة على “جسمها”، أروح، بما أملك من أدوات وخبرات وتجارب، أشيّد البنية التي تمكّنها من أنْ تتخلّق فيها الحالة، وتتجسّد، لتذهب إلى المطبعة، ولتخرج منها بكيانها الشخصيّ والخاصّ وببنيتها وأسلوبها وشكلها.    (*) كيف أثّر تراكم تجربتك الشِعرية الطويلة على نبرة السرد في هذا الكتاب؟تجتمع في هذا الكتاب كلّ أساليبي الكتابيّة، من السرد العاديّ، إلى السرد الشِعريّ، إلى النصّ المفتوح، وصولًا إلى قصيدة النثر، بل حتّى إلى الجملة- القصيدة. وها هي لغة السرد في “الغرفة” قد بلغت مبلغها الرهيف، المنساب، اللطيف، الليّن، العابر، بعدما تخلّصت ممّا تريد أنْ تتخلّص من إضافات وزوائد، لتحتضن في الآن نفسه، الحكاية والتفكّر والتأمّل والموقف والتفلسف والشطح الصوفيّ والرقّة، حدّ الخطف والمحو والانخطاف. إنّه السرد في صفائه، خلوًا من أيّ ماءٍ عكر.(*) يظهر الزمن في النص بوصفهِ مادةً حيّة تعود وتتشظّى، كيف تتعامل مع الذاكرة حين تتحوّل إلى كتابة؟يتداخل الزمن في الكتاب فيصير أزمنة، مثلما يتداخل الماضي في حياتي مع الحاضر، فيصيران كلًّا متكاملًا. هل أنا في عالم الرواية؟ لستُ أدري. جلّ ما في الأمر، أنّي لا أصطنع هذا التداخل، ولا أفتعله، ذلك أنّ الذاكرة هي الآن وأمس وغدًا، وأنّ اللحظة هي اللحظات، والزمن هو الأزمنة، مثلما المكان الضيّق هو كلّ الأمكنة، وهو العالم.”اكتشفتُ بيروت قبل أنْ تدمّرها الحرب، واكتشفتُ الحداثة، والثورة، والحرّيّة في كلّ معانيها ومضمراتها، واكتشفتُ الخروج على اللغة، وعلى الأشكال، والأجناس، والأفكار”يتحرّر الكتاب من مفهوم الزمن المحدّد، أي من التذكّر والذاكرة، ليصير مقيمًا في الأزمنة والأمكنة معًا. ذاكرة الغرفة هي الزمان كلّه. ومكانها هو الأمكنة. الكتاب هو في الزمان– الأزمنة، وفي المكان– الأمكنة. هذه هي مهمّة السارد والراوي، فكيف إذا كان شاعرًا! بدل أنْ تكون الذاكرة هي التي تملي نفسها على الكتابة، ها هنا الكتابة هي التي تعيد خلق الذاكرة.(*) في الكتاب حضور واضح لجيل لبناني عاش تحوّلات قاسية، كيف ترى موقع تجربتك الفردية داخل هذا السياق الجماعي؟إنّه الجيل الأدبيّ الذي سبق الحرب بقليل، بثلاث أو بأربع سنوات، وعاد هو نفسه ليكون من عاش في أتونها، وشهد خراب المكان والزمان والحياة. ثم هو الجيل الذي خرج من الحرب حاملًا ندوبها غير القابلة للاحتمال. في هذا الخضمّ، اكتشفتُ بيروت قبل أنْ تدمّرها الحرب، واكتشفتُ الحداثة، والثورة، والحرّيّة في كلّ معانيها ومضمراتها، واكتشفتُ الخروج على اللغة، وعلى الأشكال، والأجناس، والأفكار. واكتشفتُ الذات، وهي داخلةٌ إلى هذه الجحيم، وهي خارجةٌ منها، لتبحث عن ذاتها الشريدة والتائهة في عالمٍ من العبث والعدم.لكنّي بقدر ما كنتُ في الخضمّ، وتحت الركام، ميتًا وناجيًا في آن، بقدر ما صرتُ خارج السرب. ومثلما لم أنتمِ إلى الأحزاب والتيّارات التاريخيّة التقليديّة من يمينٍ ويسار، مفضّلًا أنْ أندرج في طريقٍ ثالثٍ ليس له أبٌ ولا أمّ، رأيتُني في الحياة، كما في الأدب، في الشِعر وفي النثر، أنتمي إلى الواحد الذي أنا، خارج أيّ جماعةٍ وتصنيف.(*) بيروت حاضرة في الخلفية كمدينة تشبه المصير الشخصي، كيف انعكست علاقتك بها على نسيج النص؟نعم. هي تشبه المصير الشخصيّ إلى حدٍّ كبيرـ أو إلى حدٍّ ما. فبيروت هي أنايَ، والأنا (الآخر)، وهي النصّ أكثر ممّا هي المدينة والمكان. هذا ما انشغلتُ بكتابته. أنتَ لن ترى بيروت التي يعرفها الناس، بل ستراها كما قد عثر عليها الكاتب والراوي والشاعر. هي أنايَ أكثر ممّا هي أناها. بل هي المدينة مكتوبةً بأنايَ ولغتي وتجربتي وأحلامي وخيباتي ولاوعيي. مع فارقٍ جوهريّ بيننا: المدينة لم تستعد نفسها بعد، ولا هي أعادت خلق ذاتها، في حين أنّ الكتابة رفضت وترفض أنْ تبقى في الدائرة الجهنّميّة المغلقة. النصّ، “كتاب الغرفة”، يشهد لهذا الفارق.(*) للكتب والموسيقى واللغة حضور مركزي في “كتاب الغرفة”، كيف أسهمت هذه العناصر في تشكيل عالمك الداخلي؟الكتب والموسيقى واللوحات واللغة هي أنايَ أيضًا. فكيف لا تساهم في تشكيل عالمي الداخليّ، وعالمي الكتابيّ. هي لا تنفصل عن كينونتي العميقة، لأنّها منسابة في روحي، في عقلي الباطن، وفي عقلي كلّه. تاليًا هي أنا.(*) يلامس النص موضوع الفقد من زوايا متعدّدة، كيف ساعدتك الكتابة في إعادة ترتيب علاقتك بهذه التجربة؟الكتابة ليست خلاصًا بالمعنى الدينيّ. هي خلاصٌ، في معنى ما، وإلى حدٍّ ما، لكنّها لا تنجّي، ولا تُنقذ، ولا تقيم من موت. هي تشيّد لكَ مكانًا ناجيًا في ذاتكَ المدمّرة والمعطوبة، وفي العالم، لكنّها لا تؤمّن لكَ خلاصكَ بالكامل. أي أنّها ترتّبكَ، وتؤمّن التوازن، وتخلق عالمًا موازيًا للعالم، من دون أنْ يكون منفصلًا عنه. الكتابة تدخل إلى منطقة الموت، وتتعرّف إليها تمامًا، وتنغمس فيها، ظاهرًا وباطنًا، وتعرف كيف تكتب هذه المنطقة. معرفتها هذه، هي الناجية. معرفتها هي النصّ. النصّ هو الذي ينجو من الموت، لا أنتَ. لكنّ هذا النصّ هو أنتَ أيضًا.(*) تبدو الكتابة في هذا العمل فعل مصالحة مع الذات، إلى أي حد شعرت بأنك تكتب لتفهم نفسك أكثر؟أكتب لأفهم اللغة أكثر، ولأكتشفها أكثر. وعندما أتمكّن من ذلك، أكون أفهم نفسي أكثر، وأكتشفها أكثر، في اللغة، وعبرها، ومن خلالها. في هذا المعنى، نعم، الكتابة هي فعل مصالحة مع الذات. (*) كيف تنظر اليوم إلى الغرفة بعد أن تحولت إلى نص مكتوب؟لو زرتها الآن، قد لا تكون تعنيني كثيرًا. ما يعنيني منها أنّها باتت نصًّا مكتوبًا. وهل أجمل من أنْ تصير الغرفة نصًّا، والذاكرة نصًّا، والحياة نصًّا. أنا نفسي بتُّ هذا النصّ المكتوب. أنا الآن مقيمٌ في اللغة، في الكتابة.(*) هل يمكن اعتبار “كتاب الغرفة” محطة فاصلة في مسارك الكتابي أم امتدادًا طبيعيًا لتجربتك السابقة؟هو محطّةٌ، وهو امتدادٌ في الآن نفسه. لكنّه لا هو محطّة فاصلة فقط، ولا هو امتدادٌ للتجربة فحسب. إنّه الإثنان معًا، وفي آنٍ واحد.(*) كيف أثّر عملك الصحافي الطويل على حسّ الملاحظة والتفاصيل في هذا الكتاب؟لا بدّ أنْ يكون قد أثّر بطريقةٍ ما. لكن ليس كثيرًا. العمل الصحافيّ يعلّمك أنْ تهتمّ بالتفاصيل. الرواية أيضًا. وكلاهما تهمّه دقّة الملاحظة. أمّا أنا فلا أميل إلى أنْ أستفيض في الكتابة، ولا إلى أنْ أفصّل. ليتني كنتُ ميّالًا لذلك، لكنتُ الآن روائيًّا أيضًا. على كلّ حال، لم تبتعد كتابتي الصحافيّة كثيرًا عن الكتابة الأدبية، بل غالبًا ما كانتا تتداخلان. أنا شاعر في الصحافة، لكنّي لستُ صحافيًّا في القصيدة، أو الشِعر، أو السرد، أو النصّ المفتوح.(*) هل تشعر أن هذا الكتاب فتح أمامك أفقًا جديدًا في الكتابة السردية؟ربّما. نعم. قد. لستُ أدري. يجب أنْ أشاهد الكتاب من بعيد، وأنْ أتفاعل معه من مسافة. بعد ذلك، لكلّ حادث حديث.(*) بعد “كتاب الغرفة”، إلى أي اتجاه ترى كتابتك تمضي في المرحلة المقبلة؟عندي أربعة دواوين شِعريّة جديدة غير منشورة، كتبتُها أربعتها بعد “الغرفة”. هذا لا يعني أنّي “أسير” هذه التجارب، فقد أجد نفسي مرّةً جديدةً في السرد، وهو، كما تعلم، لا يبتعد عندي عن الشِعر والقصيدة. أنا دائمًا مقيمٌ في حالة الكتابة، وإنْ لم أكتب دائمًا. حياتي كتابة، وعيشي كتابة، وبيتي كتابة، وأشيائي كتابة، وعوالمي كتابة. أنا في حالة كتابة دائمة، وإنْ أحيانًا لا ترى النور.أشعر أنّي في حالة ترقّب، وتأهّب. شيءٌ ما يعتمل في الداخل، في الباطن، لستُ أدري ما هو، وكيف سيتشكّل. بعد قليل، سأكون على وشك ولادة جديدة.عقل العويط: شاعر وناقد وأستاذ جامعيّ وصحافيّ، يكتب بشكل ثابت في جريدة “النهار” اللبنانية. أصدر إلى الآن أربع عشْرة مجموعة شِعريّة. له قصائد مترجمة إلى عددٍ من اللغات الأجنبية، ومنشورة في أنطولوجيّات عالميّة.من أبرز كتبه السردية: “كتاب الغرفة” (2025)، “السيّد Cooper وتابعُهُ” (2023)، “البلاد” (2022)، و”سكايبينغ” (2013).

ـضفة ثالثة

ـالعرب

ـمجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم