السينما خلاصة تجارب إنسانية مشتركة
منذ لحظة ولادتها على يد الأخوين لوميير في أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن السينما مجرد اختراع تكنولوجي أبهر الناس وفاجأهم بإمكانية تحريك الصور. بل كانت بداية لتحوّل فتحَ الأبواب أمام اكتشاف زوايا العالم وجعل من السينما مرآة قادرة على عكس أدق تفاصيل التجربة الإنسانية.
كانت الكاميرات تسجل في البداية مشاهد واقعية في شكل لقطات بسيطة عن حياة الناس اليومية ولكنها سرعان ما اكتشفت قدرتها الهائلة على سرد القصص وبناء عوالم خيالية والتعبير عن المشاعر والأفكار. ثم ومع مرور الوقت تحولت السينما إلى آلية لتوثيق الأحداث والأزمان ومواكبة مختلف الحقب بحروبها وسلامها وبأزماتها المتنوعة فأخذت تجسد الآمال والمخاوف والأفراح والهموم واصطحبت المشاهدين في رحلات إلى أزمنة غابرة أو إلى عوالم مستقبلية مثيرة مع ما يرافق ذلك من مشاعر وطروحات فكرية منوعة.
تمكنت السينما أيضا من سبر أغوار النفس البشرية وعرض ملامح ثقافات أخرى ما كان أحد يعرفها إلا عن طريق الكتب وما يُرافق القراءة من تكوينات في الخيال. بالمختصر، أصبحت السينما لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة كي تصل إلى جوهر الوجود البشري فهي تعرض قصصا عن الحب وعن صراعات وعن أمل وعن خسائر وعن حالات فقدان وهي أمور تمر بها كل الشعوب في أي مكان في كرتنا الأرضية الصغيرة لأنها تعبر بالنتيجة عن كل ما يتعلق بالإنسان.
كيف تتناول السينما العالمية موضوعات إنسانية مشتركة؟
نجحت السينما في أن تكون مرآة عاكسة لتجارب إنسانية مشتركة وهي ليست مرآة مسطحة، بل عدسة متعددة الأوجه تظهر لنا كيف يمكن لموضوعات عالمية مثل الحب والحرب أو العائلة، أن تُفسَّر وأن تُقدَّم بطرق مختلفة تمامًا حسب الخلفية الثقافية والتاريخية لكل بلد.
عندما نتحدث عن العلاقات العاطفية، على سبيل المثال لا الحصر، نجد أن السينما الغربية، وخاصة الهوليوودية، غالبًا ما تركز على قصة بطلاها شخصان يحاولان تجاوز بعض العقبات ليجتمعا في النهاية، وتلك طريقة طرح تعكس القيم الفردية والاستقلالية التي تتميز بها المجتمعات الغربية. وفي المقابل، تطرح أفلام من آسيا، مثل السينما الكورية أو اليابانية، مشاعر الحب بشكل أكثر هدوءًا وتأملًا، فغالبا ما يتداخل ذلك مع مسؤوليات العائلة والتقاليد الاجتماعية، وقد لا تكون النهاية سعيدة بالضرورة، بل تعرض الأفلام نهايات واقعية ومؤثرة. أما في السينما الهندية (بوليوود)، فيظهر الحب غالبا في إطار صاخب ومليء بالألوان والموسيقى، مع صراعات درامية كبيرة تتعلق بالطبقة الاجتماعية أو بالعائلة.
موضوعة الحرب تنقلها السينما العالمية بطرق طرح متباينة للغاية. ففي السينما الأمريكية نلاحظ أن أغلب الأفلام تمجد البطولات العسكرية وتصوّر الحرب كصراع بين الخير والشر، وعادة ما تنتهي بانتصار البطل. على النقيض من ذلك، تقدم السينما الأوروبية والآسيوية غالبًا صورا أكثر قسوة وواقعية للحرب إذ تركز على معاناة الإنسان وعلى الدمار النفسي الذي تسببه الصراعات المسلحة. وغالبا ما تكون رسالتها معادية للحرب ومناهضة للعنف.
ولو تطرقنا إلى موضوعة العائلة وكيفية تناولها في السينما بشكل عام نلاحظ أن السينما الغربية تركز في الغالب على الصراع بين أفراد أسرة صغيرة تتكون من أب وأم وأبناء ثم توسع اهتمامها لتعرض التحديات الشخصية التي يواجهها هؤلاء الأفراد كلٌ على حدة. وفي المقابل، نجد أن السينما في الشرق الأوسط تحتفي غالبًا بالأسر الكبيرة بعدد أفرادها الكُثر مع التركيز على أدوارهم كلهم في حياة الفرد وتأثيرهم على قراراته والطرق التي يسير فيها. فالقضية لا تقتصر على الأبوين بل نلاحظ أن الجميع يشترك في مناقشة قضية ما ويشمل ذلك الأجداد والأعمام والأخوال والأخوة وبقية الأقارب وحتى الأصدقاء. أما في الأفلام التي تنتجها أميركا اللاتينية فعادة ما يتم عرض العائلة في شكل شبكة معقدة من العلاقات التي تحكمها تقاليد ومسؤولية جمعية مشتركة. وكما نلاحظ هنا فكل هذه الفروقات تظهر كيف أن مفهوم العائلة نفسه ليس واحدًا، وكيف أن السينما تتأثر بهذه المفاهيم وتؤثر فيها وتعكسها حسب الواقع.
وفي النتيجة ندرك أن السينما إنما تعبر عن التجارب الإنسانية حسب المواقع التي يتم إنتاج الأفلام فيها فهي تعكس تجربة المكان والمجتمع رغم كون أدواتها عالمية مشتركة. وندرك أيضا أن وسائل السينما المشتركة تعرض في النتيجة تفاصيل مجتمعات أخرى لا نعرفها حق المعرفة لأننا لم نعش فيها وتجعلنا نفهمها ونرى الحياة بالطريقة التي يراها بها أبناء تلك المجتمعات.
#سينما العالم #مجلة ايليت فوتو ارت.


