كان السلطان المغربي أبو عبد الله الشيخ السعدي ( فترة الحكم 1540-1557) الذي أرسى قواعد الدولة السعدية الفتية في المغرب وقضى نهائيا على سلالة المرينيين التي كانت تحكم المغرب ، شديدا جدا في معاملة أعدائه وخصومه السياسيين، وعندما تولى الحكم ، بدأ ينتقم منهم، وكان من هؤلاء، الفقيه عبد الوهاب الزقاق.استدعاه ليحاكمه، قبل أن ينفذ فيه حكم الإعدام فلم يجبن الفقيه ، ولم يحاول الدفاع عن نفسه.قال له السلطان : اختر بأي شيء تريد أن تموت؟فأجابه الفقيه في شجاعة نادرة:” اختر أنت لنفسك، فإن المرء مقتول بما قتل به”.صدمه جواب الفقيه، فصاح في المحيطين به من جنوده وحاشيته:” أقطعوا رأسه بشاقور”.وقطع رأس الفقيه بشاقور..ومضى التاريخ واستطاع في مدة قصيرة جدا أن يجمع أطراف المغرب كلها على طاعته والاعتراف بدولته.وكان الخطر الوحيد الذي يخشاه أبو عبد الله الشيخ على دولته، وجود الاتراك على حدوده الشرقية لأن أطماعهم لن تقف عند حدوده إلا إذا وجهوا بقوة كبيرة ، وهكذا بدا أبو عبد الله يفكر في الطريقة التي تمكنه من أبعاد الخطر، ومن ضمان استقلال البلاد واستقرارها وأمنها.لقد دخل المغرب في مناوشات مع الدولة العثمانية من أجل تلمسان لم يعد منها بطائل، ولم تنجح مفاوضات الصلح بينه وبين الوالي العثماني بالجزائر من أجل ضمان سلام دائم على الحدود، لكنه الآن يفكر جديا في أكثر من ذلك، يفكر في أن يطرد العثمانيين من الجزائر نفسها، بل إن طموحه ليمتد به إلى التفكير في أخطر من ذلك، إنه يريد أن ( يغزو الترك في مصر ويخرجهم من أحجارها) كما كان يقول.بعث السلطان العثماني سليمان القانوني ( فترة الحكم من 1520 الى 1566) رسولا خاصا إلى المغرب، وبلغه رسالة من السلطان سليمان العثماني مكتوبة باللغة التركية، على أن ذلك لم يكن مشكلة ، فقد كان في جيش المغرب أتراك تخلفوا في المغرب من الحملة التي وفدت من الجزائر مع أبي حسون المريني، فرحب بهم في جيشه وأولاهم عناية خاصة، فقد كان يرجو بمساعدتهم أن يتمكن من طرد العثمانيين من الجزائر.رحب به السلطان، وأنزله ضيفا على رئيس الفرقة التركية في الجيش المغربي، وتولى الرئيس نفسه ترجمة الكتاب إلى العربية، فإذا هو لا يعدو أن السلطان العثماني يهنئ السلطان المغربي بالنصر، ويجزي إليه متمنياته الطيبة بالنجاح والتوفيق، ويوصيه أن يسير في رعيته بالعدل، وألا يغفل أمر الجهاد، ثم يطلب السلطان بكل بساطة أن يدعي له منابر المغرب بصفته صاحب السلطة الشرعية الأولى، وأن يكتب اسمه على العملة المغربية، كما كان بعض سلاطين المرينيون المتأخرين يفعلون من قبل مع احتفاظهم باستقلالهم وسيادتهم الكاملة.إنفجر السلطان المغربي غيضا ضد سلطان الأتراك (سلطان القوارب) كما يدعوه، أو (سلطان الحواتة ( السمك)) كما كان يحلو له أن يسميه أحيانا أخرى.لم يكتب السلطان المغربي للسلطان العثماني جوابا عن رسالته، وإنما اكتفى بأن يقول للرسول:( لاجواب لك عندي حتى أكون بمصر، وحينئذ أكتب لسلطان القوارب).وطار الرسول إلى القسطنطينية ليبلغ سلطان الأتراك هذا الرد الكريم.فأرسل السلطان العثماني مجموعة من جنود الجيش التركي بالجزائر، اوهموا السلطان المغربي بأنهم استبد بهم الضيق والشعور بقلة التقدير، وتعرضوا لكثير من الأذى والاضطهاد، ثم علموا أن في الجيش المغربي فرقة تركية تتمتع بكامل الاحترام والتقدير، فقرروا أن يفروا إلى المغرب، وأن يضعوا أنفسهم تحت تصرفه.وكان الجنود الهاربون عند حسن ظن السلطان المغربي و كانوا جنود السلطان المطيعة وحراسه الأقربين، وكان السلطان المغربي من جهته لا يبخل عليهم بشيء من ذلك، بل كان في الحقيقة يبالغ في إكرامهم والحفاوة بهم، ويوصي بإكرامهم أينما حلوا، أليسوا مناط أمله في تحرير الجزائر، وفي تطهيرها من دولة بني عثمان؟وظل الأمر على ذلك زمنا إلى أن واتت الفرصة المواتية ليعبروا عن إخلاصهم للسلطان بشكل لم يسبق له نظير، كان السلطان في إحدى حركاته بالقرب من تارودانت، وكان نائما في خبائه، وفجأة، وفي ظلام الليل ، سمعت في خباء السلطان حركة خفيفة، تبعها صوت شديد، واستيقظ الجنود والحراس والخدم ، وتجمهروا جميعا حول خباء السلطان ليسمعوا النبأ الخطير:” لقد قتل الملك، لقد قطع رأسه بشاقور.”لقد أدوا مهمتهم التي جاءوا من أجلها. وفي القسطنطينية بعد ذلك بمدة يسيرة، فتحت مخلاة، كان فيها ملح ونخالة، كان فيها رأس السلطان المغربي ، وعرضت الرأس بعد ذلك على السلطان سليمان العثماني، فنظر إليها في غير اكتراث، ثم أصدر أمره أن توضع الرأس في شبكة نحاس وأن تعلق على باب القلعة.يقول اليفرني في نزهة الحادي، في ختام حديثه عن أبي عبد الله الشيخ:وحمل إلى مراكش بغير رأس، فدفن قبلة جامع المنصور في قبور الأشراف هنالك، وقبره شهير.#تاريخ_المغرب# مجلة ايليت فوتو ارت.


