الروائي الجزائري :واسيني الأعرج…حارس الذاكرة وفارس السرد المتألق.

واسيني الأعرج: حارس الذاكرة وفارس السرد المتألق

لم تبدأ شهرة الروا:ي الجزائري المبدع واسيني الاعرج في عام ٢٠٢٢، حيث ضجت المواقع والمجلات والصحف باسمه بوصفه روائي عربي منح جائزة نوابغ العرب ، مُحَلِّقاً في فضاء الآداب والفنون لفوزه بجائزةٍ هامة عربيا هي جائزة” نوابغ العرب” بل ان حضوره الكتابي والابداعي سبق ذلك بزمن كبير ـ لم يكن هذا التتويج إلاّ تأكيداً على مكانته كأحد أبرز الأصوات السردية في الوطن العربي، وصاحب مشروع روائي يجمع بين عمق الفكر ورقّة الفن، بين صدق التاريخ وجمال التخييل.إن فوز الأعرج ليس تكريماً لمسيرة فردٍ فحسب، بل هو إشادة بدور الرواية كـ “ضمير حي” يُنقّب في الذاكرة، ويستفهم المصير، ويبني جسوراً بين الثقافات. .فهو كاتب لا يخشى الغوص في المناطق المُظلمة من التاريخ والنفس، مؤمناً بأن الأدب رسالةٌ إنسانية تعلو على الحدود، وتصلح أن تكون حواراً خالصاً بين الحضارات.من تلمسان إلى العالم: النشأة والتكوينوُلد واسيني الأعرج عام ١٩٥٤ في قرية”سيدي بوجنان” الحدودية بتلمسان، تلك الرقعة الجغرافية الموشاة بثراء التاريخ الأندلسي والعثماني. هذه البيئة الجغرافية والثقافية ستطبع عالمه الروائي لاحقاً بالمشهدية والاسهاب والسعة اللغوية ، اذا نشَأَ في أحضان ثورة التحرير الجزائرية طفلاً، وعايش تحولات وطنه الكبرى، فتشكلت لديه هواجس الهوية والذاكرة والوطن منذ البداية…هو الحاصل على الدكتوراه في الأدب، واشتغل أكاديمياً مرموقاً في الجزائر وفرنسا، مما منحه حرية خاصة في تناول أدواته النقدية ووعياً ثقافياً عميقاً.ملامح المشروع الروائي: حفر في الذاكرة وتحرّر في الشكل، يتميز عالم واسيني الأعرج كروائي بعدة سمات جوهرية تخص أعماله، وهو الذي يكتب باللغتين العربية و الفرنسية، وينتمي إلى المدرسة التجريبية الجديدة التي لا تستقر على شكل واحد، بل تبحث دائما عن سبلها التعبيرية بالعمل الجاد على اللغة و هز يقينياتها. فاللغة التعبيرية ليست معطى جاهزا ولكنها بحث دائم و مستمر لاكتشاف مساحات لم يطرقها احد سابقا او لإضافة شيء جديد على ماتم انجازه على اقل تقدير… اذا في رحلتك مع واسيني سوف تجد في عالمه الكتابي يتجاور المتخيل مع الواقعي التوثيقي إلى جانب الأسطورة .. والسرد سيد الحكاية او الرواية .. مثلما انك ستكتشف ببساطة انه أحب دائما ان يشكل عوالم إنسانية أخرى، عوالم التراث البشري، فتجد في نصوصيه دون كيشوت كما تجد ألف ليلة وليلة الى جانب السيرة الهلالية والموضوع الشعبي والنخبوبي والأسطورة في بحث عميق عن قنوات لغوية وعوالم سحرية يختار منها مايناسب مشروعه الابداعي الغني ولهذا يعتبر أحد أهمّ الأصوات الروائية العربية.· ينسج رواياته على خلفية أحداث كبرى (كالثورة الجزائرية، النكبة، الحرب الأهلية اللبنانية)، من خلال شخصيات مغمورة أو “هامشية”، ليقرأ التاريخ من أسفل، لا من ابراج عالية وقد تمرد على الشكل وخرج عن السرد التقليدي، فوظف تقنيات مختلفة، كتعدد الأصوات والميتاسرد والمزج بين الوثيقة والتخييل، وكسر الحواجز بين الأجناس الأدبية.ليبقى المكان احد اهم هواجسه في الكتابة فبين مكان العزلة ومكان المغامرة ومكان الفقد والمكان الحيادي والمكان الخائن تجري الأحداث وتتحرّك الشخصيات المتعبة و المهدّدة بالفقدان والغياب وهو الذي تناول( موضوع المنفى حتى قبل ان يعيشه كواقع)…الرابط بينها قلق وجودي إنساني يتجاوز القضايا المحلية إلى الأسئلة الكبرى: الحرية، الحب، الموت، وصراع الإنسان مع قدره في عالم مُفكّك.. ـ يستخدم واسيني الاعرج في عالبية منجزه لغة شعرية مركبة: ضمن اطار سردية مكثفة، تتنقل بين الفصحى والعامية الجزائرية ببراعة، وبين التراثي والحداثي في انسيابية فنية.. عالم أعماله او شخصياته أرواح تحكي التاريخ كما تحايث الحاصر بكل محموله الثقافي المربك، وقدتجلّت قوّة واسيني الأعرج التجريبية أكثر في روايته.· “البيت الأندلسي” (ثلاثية) ملحمية عن تشرد الموريسكيين بعد سقوط غرناطة، وترحالهم حتى استقرارهم في تلمسان، كرمز عن الذاكرة والهوية المجروحة..الرواية تتحرك بين مستويين زمنيين واضحين : تاريخي بعيد يمتد حتى القرون الوسطى، وعصري يلامس واقع معاصر مازوم، حيث اعتمد فيها الأعرج اسلوب الايحاء بطريقة ذكية فنياً من خلال الشروحات والهوامش مما اعطى القارئ شعورا بمصداقية المعلومة المعرفية التي بقدمها في روايته مع العلم أن كل ذلك من الخيال بهدف اشراكنا في اسطرة مخيلته الفذة .. القارئ في اللعبة كل ذلك وهو ببساطة يدخلنا في مشهده المكتوب نصا .. يتكئ على مخطوطة قديمة نادرة رسمت بكثير من الدقة تاريخ عائلة من الموريسكيين وحاضر ممتلئ بأحداث الماضي تعود إلى لحظات التهجير المروعة التي تعرض لها بطله حين أجبر قهراً على ترك غرناطة التي يعشقها ولا يعرف مكانا اخر يمكن ان يكون وطنا غيرها ، في اشارة عن التحطيم الكلي وفقدان الامان التام..خيث تم توجيه الشخصيات في الرواية على تكثيف ذلك الشعوي بالفر اغ ونقله بحرفية عالية ،شدت القارئ واحتلت حواسه، اضافة لتفعيل رؤيا بصرية للمشهد المعماري الأندلسي في سطور الرواية لتتحول البنية المعمارية الى حالة اضافية تعمل على تكريس حالة الحنين مما جعل الحضور المكثّف للحيّز جزء من البناء الروائي الى حدود حقول البحث عن بنية الشكل الروائيوفي رواية· “سيرة المنتهى: النص السيري الباذخ تبدت مهارة واسيني في ادارة لعبة التوازنات، داخل السيرة الذاتية، التي احتلت مكانا ليس بقلبل في المتن الحكائي، راهن عليها واسيني انطلاقا من دهشة الجبل الأعظم إلى حدود تيهانه تحت عباءة المحارب دون كيخوتة. . عبر حوار المكاشفات والانتقادات، المضمرة، التي وجهها إلى الذات والآخر عبر مسار التاريخ الإنساني للرواية .. موجها انتقاده خيبته نحو تفكك أحلام المثقفين وسط فساد النخب ، ليتوجه لنقد المثقف والأيديولوجياو لا يتردد في فضح عجز المثقف العربي وانفصاله عن واقعه، وتفكيك الشعارات الكبرى التي تحولت إلى قمع..فهو دائم التشكيك في الأيديولوجيات الشمولية (القومية، الثورية المتطرفة) التي تحولت إلى آلات للقمع بعد أن كانت وعوداً بالتحرر. اما “كتاب الأمير” فهو محاولة إعادة كتابة سيرة الأمير عبد القادر الجزائري كإنسان متصوف ومحارب ومفكر، بعيداً عن التقديس الرسمي فالأمير عبد القادر, وعلى الرغم من قيمته التاريخية والإنسانية لم يحظ سابقا على أي عمل يخرج عن مدارات التاريخ كمناضل وقائد , او انسان ومفكر ليتناول الاعرج خيوط وظلال الحياة العادية للامير عبد القادر الانسان ،ويدفع بها عميقا نحو المتخيل الذي لا يستعيد فقط الوقائع, ولكن كذلك يقحم المخيلة الشعبية في حوار الحضارات. بعيدا عن ناتج يفترض منتصرا ومهزوما, ولكنه حوار يفضي إلى إجابات حتى ولو كانت الإجابات قلقة و حوارات حادة وعنيفة ولكنها أفضت في النهاية إلى إعادة تشكيل وعي زمني وتاريخي يعيد تقييم الذين انغمسوا في حروب القرن التاسع عشر القاسية. ليبقى السؤال معلقا هل أراد أن يعبر عن وجهة نظر شخصيه ،عن الهوية والتشظي، حيث يتتبع واسيني الاعرج في مجمل اعماله أزمات الهوية في ظل المنفى والازدواج، مقدماً شخصيات تعيش تمزقاً بين الشرق والغرب، كحالة وجوديةـ غالباً ما يكون أبطاله مثقفين في المنفى، حاملين جراح أوطانهم، في بحث دائم عن الذات والجذر . حيث الخراب والحب وجهين للوجود: يحلل العنف السياسي كتجربة إنسانية، ويقابل فظاعته بقوة الحب المستحيل كضوء يقاوم الظلام.فكثيراً ما يقاطع السرد ليحدث القارئ عن عملية الكتابة ذاتها، والصعوبات التي يواجهها في توثيق التاريخ، وعلاقته بشخصياته. هذا يخلق وعياً لدى القارئ بأنه يقرأ “بناءً” روائياً، وليس حقيقة مطلقة.. ومن ثم فالخيط الجامع هو اهتمامه بالبحث عن معنى في عالم مُفكّك.. بحيث انه يمكن القول إن التوجه المركزي لواسيني الأعرج هو البحث عن المعنى الإنساني في فوضى التاريخ وصراعاته. . وان رواياته هي رحلات استكشاف داخل أعماق الذات الجماعية (الأمة) والفردية (الشخصية)، ختاماً:واسيني الأعرج روائي الأسئلة المقلقة والمربكة ،لا الإجابات الجاهزة. مشروعه الأدبي حفرٌ دؤوب في أسئلة الهوية والذاكرة والإنسانية في زمن عربي مضطرب. .كاتب جعل من الرواية مرآة للألم، وجسراً للأمل، ووطناً لكل الذين يبحثون عن معنى في زمن التشظي.. من اصدارته· 1990 – يا صاحبي السجن (أول رواية)· 1993 – نوار اللوز· 1996 – سيدة المقام· 1997 – الحريق الأول (نص مسرحي)· 1999 – شرفات بحر الشمال· 2001 – ضمير الغائب· 2003 – ذاكرة الماء· 2004 – البيت الأندلسي· 2004 – الليلة السابعة بعد الألف (سيرة الموريسكي)· 2005 – رمادة الشوك (طبعة أولى في سوريا)· 2008 – مرايا الضرير· 2009 – كتاب الأمير (مسالك أبواب الحديد)· 2010 – مقامات العشق (ثلاثية: سيدة المقام، شرفات بحر الشمال، ذاكرة الماء – في مجلد واحد)· 2011 – سيرة المنتهى.. عشتها كما اشتهيت (سيرة ذاتية روائية)· 2011 – دروب الراوي (قراءات في الرواية)· 2012 – جملكية أرابيا (نُشرت أولاً بالفرنسية)· 2013 – مملكة الفراشة (حازت على الجائزة ال للرواية العربية كتارا للرواية العربية عن فئة الروايات المنشورة ٢٠١٥ ـ٢٠١· حكاية العربي الأخير (رؤية مستقبلية مستوحاة من جورج أورويل)· 2015 – دون كيشوت في الجزائر· 2016 – الوشم (طبعة أولى في الجزائر)· 2017 – في حضرة العنقاء والخل الوفي (عن الأديب عبد الرحمن منيف)· 2019 – في ذكرى النسيان· 2020 – كتاب الوردة (ذواقة ورد)· 2021 – موت صغير (عن الحلاج)· 2022 – محن الورّاق الكذاب (عن الورّاقين في التاريخ)· 2023 – رجل العزلات (آخر إصداراته حتى الآن)سمر محفوض ـ خاص مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم