لو أندرياس سالومي، الذكاء الألمعي الذي أُحبّ ..
في عالم يرى المرأة إما ذكية أو جميلة، إما مثقفة قبيحة أو فاتنة مغرية، وقفت لو أندرياس سالومي كشاهد على عبثية هذه الثنائية. امرأةٌ جمعت بين الجمال الناعم والعقل الفذ، بين الأنوثة والفلسفة، بين الحريّة والتمرد.
لكن التاريخ، بكل أسف، اختار أن يتذكرها كـفاتنة العباقرة، وكأن أنوثتها كانت أكثر إثارة من عقلها الذي أذهل فلاسفة مثل نيتشه وفرويد وبول ري، وثقافتها التي أدهشت راينر ماريا ريلكة وسواه .
لو سالومي ، التي وُلدت في أواخر القرن التاسع عشر، كانت امرأةً عصيّة على التصنيف. كانت تمتلك عقلاً جريئاً تحدّى الأعراف الاجتماعية، ورفض أن يُسجن في قفص الزواج التقليدي.
لكن، بكل أسف، اختزلتها الأقلام التي كتبت عنها في دور “الملهمة” وكأن إلهامها كان مجرد ضوء عابر انعكس من جمالها، لا من عقلها الذي اعتبره نيتشه، الفيلسوف الذي هزّ العالم بأفكاره، توأما لعقله، ورأى فيها مرآةً لفكره، وقال عنها في رسالته إلى صديقه ” بيتر غاست ” واصفاً إياها :
” إنها ثاقبة كالصقر وشجاعة كالأسد.. وفوق ذلك فإنها شخصية مكتملة بنحو مذهل، وتعرف بنفسها ما تريد دون أن تسأل كل العالم أو تقلق حول العالم.”
لكن، وبكل أسف، تحوّل هذا الإعجاب الفكري إلى أسطورة رومانسية في أذهان الكثيرين، فنسوا أن سالومي كانت أكثر من مجرد مُلهمة.
حتى فرويد، أبو التحليل النفسي، رأى في سالومي امرأة استثنائية. وأصبحت واحدةً من أوائل المحللات النفسيات في التاريخ، وساهمت في تطوير نظرياته، حيث قال عنها ناعياً حين سمع خبر وفاتها:
” لا أبالغ إذا قلت بأننا جميعا شعرنا بالشرف عندما انضمّت لو إلى صفوفنا، كانت رفيقة السلاح وفي الوقت نفسه ضمانة جديدة لصحة نظريات التحليل. كان تواضعها وتحفّظها أكثر من العادة، لم تتحدث إطلاقا عن أعمالها الشعرية والفكرية والأدبية الخاصة، كانت تعرف بوضوح أين يمكن العثور على القيم الحقيقية في الحياة، من كانوا أقرب إليها يعرفون صدق وانسجام طبيعتها، ولعلهم اكتشفوا أنها بعيدة كل البعد عن الضعف الأنثوي وربما عن معظم الضعف البشري في مسيرة حياتها. “
لكن، مرةً أخرى، فبدلا من أن تُذكر كعالمة ساهمت في فهم النفس البشرية، أصبحت مجرد ” تلميذة فرويد الجميلة “.
لو سالومي، كانت مفكرة عميقة وكاتبة غزيرة الإنتاج، كتبت عن الدين، الفلسفة، التحليل النفسي، محلّلة نفسية بارعة، وفيلسوفة جريئة، وساهمت في تشكيل أفكار بعض أعظم العقول في تاريخ البشرية، وهي بكل ما تمتّعت به من حريّة فكرية وجرأة وجودية، وقعت ضحيّةً لثقافة ذكورية تُفضّل أن ترى المرأة كـشيء يُعجَب به، لا كـشخص يُحاوره.
حتى في عصرنا الحديث، ما زالت تُعرّف كصديقة كبار العقول، وكأن إنجازاتها الفكرية كانت مجرد هامش في قصة حياتها.
لكن سالومي، بكل تأكيد، كانت أكثر من ذلك. كانت امرأة حرّة، متمردة، ورفضت أن تُختزل في دورٍ واحد. كانت، باختصار، امرأة كاملة في عالم يريد أن يرى النساء تابعات.
أسأل نفسي : هل نستطيع، بعد كل هذا الوقت، أن ننظر إلى سالومي بعيون جديدة؟
أن نرى فيها العقل والإنتاج، أن نذكرها كامرأة حرّة ذكية، لا كأنثى ألهمت العباقرة؟
ربما أصبح من الضروري أن نكسر الصور النمطية التي طالما حَبست النساء في أدوارٍ ضيقة، وأن نرى في سالومي، وأمثالها، ما كنّ عليه حقاً :
عقولا حرّة في عالم يحتاج إلى حريّة أكثر من أي وقتٍ مضى.
#Admin_V
#كتب_ممنوعة_ونادره#مجلة ايليت فوتو ارت.


