لوح الحبوب في موسم النور قراءة أدبية في روح أوغاريت..وكأن اللوح نفسه ينهض من سباته الطويل لأكثر من ثلاثة آلاف عام غبرت يعود ليروي سيرته من جديد..”””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””””أنا لوحٌ من طين..وُلدتُ يوم كانت الشمس تنشر ذهبها فوق سهول القمح في مدينة أوغاريت ويوم كانت السنابل تميل تحت نسيم البحر كما تميل رؤوس المصلّين في حضرة الآلهة. لم أكن سوى حفنةٍ من ترابٍ رطب التقطها كاتبٌ هادئ العينين من ضفاف النهر وعجنها بماء الحياة ثم بسطها بين يديه كما يبسط الفلاح أرضه انتظاراً للمطر.وحين جفّ جسدي تحت وهج الصيف جاءت القصبة المدببة لتخطّ فوق صدري أسرار المملكة فغدت العلامات المسمارية ندوباً جميلة لا تمحوها القرون.كان ذلك في موسم الحصاد..حين امتلأت الحقول بضحكات السنابل وخرج الرجال والنساء مع الفجر يحملون المناجل ويرددون أناشيد الشكر للبعل سيد الغيوم والمطر. كانت الأرض قد أوفت بوعدها وكانت السنابل تفيض حبّاً كما تفيض الأم بحنانها.في ذلك اليوم سُجلت على وجهي هذه الكلمات:”في سنة الملك وفي موسم امتلاء السنابلدخلت حبوب القمح إلى مخازن القصر الملكي.قُيِّدت الكميات باسم الحقول المباركةوسُجل نصيب العمال الذين حملوا أثقال الحصاد.”“من أرض البعل جاء الشعيرومن سهول الأمطار جاء القمحفامتلأت الأوعية وارتفعت الغلالكما ترتفع صلاة الأرض إلى السماء.”“وكتب الكاتب:لا يضيع حقّ العامل في الحصاد ولا يُنسى نصيب من عرقه سال على التراب.لأن الإله يرىوالقصر يحفظوالزمن لا يمحو ما كُتب في الطين.”“تمّ التسجيل في يوم اكتمال المخزنوخُتم اللوح باسم الإدارة العليا ليبقى شاهداً على وفرةٍ جاءت بعد عطش وجفاف وعلى زمنٍ دار فيه القمح كأنه نور.” “دخل القمح إلى مخازن القصر.”لكن هذه العبارة الصغيرة كانت تخبئ وراءها عاماً كاملاً من التعب والأمل والانتظار.لقد رأيت القوافل القادمة من السهول الخصبة ورأيت الحمير المثقلة بالأكياس ورأيت العمال وهم يفرغون الذهب الأصفر في صوامع المملكة. كانت حبات القمح تتدفق كأنها نهر من الضوء وكانت المخازن تمتلئ حتى تكاد جدرانها تنطق بالشبع.وجاء الشعير أيضاً.قادماً من الأراضي التي ارتوت بمياه الشتاء حاملاً معه رائحة المطر وذكريات الغيوم. فكتب الكاتب الكميات بدقة وسجل أسماء الحقول والقرى وأصحاب الأراضي والعمّال لأن المملكة كانت تعرف أن الخبز يبدأ من العدالة وأن الحصاد لا يكتمل إلا إذا وصل الحق إلى صاحبه.ولذلك نقش فوق صدري:”لا يُنسى نصيب العامل.”كم كانت هذه العبارة عظيمة!ففي مدينةٍ ازدهرت بالتجارة والسفن والقصور والمعابد لم يكن العرق المراق على التراب أمراً منسياً. كانت الأيدي التي زرعت وحصدت جزءاً من دورة الحياة المقدسة وكانت العدالة تُحفظ في الطين قبل أن تُحفظ في القلوب.وحين انتهى الكاتب من عمله رفع عينيه نحو المخازن الممتلئة وقال في سرّه:”ما أعظم نعمة الوفرة بعد القحط.”ثم ختم اللوح بخاتم الإدارة ووضعني بين مئات الألواح التي تحفظ ذاكرة المملكة.ومنذ ذلك اليوم..مرّت عليّ الأعوام كما تمرّ الأمواج على الشاطئ.مات العمال الذين حملوا السنابل وغاب الكتبة الذين نقشوا الحروف ورحل الملوك الذين حكموا البلاد. ثم جاءت النار العظيمة التي ابتلعت أوغاريت في أيامها الأخيرة وسقطت القصور وتهدمت الأسوار وصمتت المرافئ التي كانت تستقبل سفن العالم القديم.غير أنني بقيت.بقيت مدفوناً في حضن الأرض أكثر من ثلاثة آلاف عام أحرس تلك الكلمات الصغيرة التي تحدثت عن القمح والناس والعمل والعدالة.وحين أخرجني علماء الآثار من ظلمة القرون لم أكن مجرد قطعة طينٍ قديمة بل كنت شاهداً على حضارةٍ آمنت بأن الحبة الواحدة تستحق أن تُسجّل، وأن تعب الإنسان يستحق أن يُحفظ وأن ما يُكتب على الطين قد يهزَم الزمن.وهكذا ما زلت أقول لكل من يقرأني:إن الحضارات لا تُقاس بارتفاع قصورها وحده بل بقدرتها على حفظ حقوق الناس وباترامها للخبز الذي يصنع الحياة. وبإيمانها أن ذاكرة الإنسان تستحق أن تبقى.فأنا لوح الحبوب..آخرُ شاهدٍ على موسمٍ من النور مرّ في أوغاريت وما زالت سنابله تتمايل في ذاكرة التاريخ.عاشق أوغاريت..غسّان القيّم..𐎂𐎎𐎐 𐎍𐎖𐎊𐎎
#د.غسان القيم#مجلة ايليت فوتو ارت..


