سيكولوجية الخوف من كلام الناس عند برتراند راسل
يجلس شاب ذو ميول علمية وسط تجمع عائلي في قرية تحكمها العادات التقليدية، ويستمع إلى القصص الخرافية التي يتبادلها الحاضرون. هو يدرك أن التعبير عن قناعاته الفكرية سيقوده إلى العزلة وربما إلى الاتهام بالانحراف. فيلزم الصمت ويجاري من حوله، ويكتم اهتماماته خشية الاصطدام بمنظومة القيم السائدة. يعرض هذا المشهد ما يطرحه برتراند راسل عن سلطة الرأي العام، إذ يضطر الأفراد إلى إخفاء ذواتهم تجنبا لعداء بيئة لا تفهم دوافعهم ولا تشاركهم معاييرهم.
يفسر راسل هذه المعاناة بالاغتراب الجغرافي والفكري للفرد. فالإنسان يمتلك طاقات ومواهب تحتاج إلى مناخ يشجعها كي تزدهر وتثمر، وحين يولد شخص بخصائص نفسية وفكرية تختلف عن المعايير المقبولة في بيئته المباشرة، يعيش حالة من الحصار المستمر. ويتمثل هذا الحصار في خوف متواصل من النقد والإقصاء، يستنزف طاقة الفرد في محاولات دفاعية لإخفاء تميزه أو اختلافه. وهكذا ينصرف العقل المبدع إلى ابتكار التبريرات وأساليب التخفي، هربا من سلطة الجماعة التي لا تتسامح مع الخروج عن المألوف.
يؤدي هذا الضغط الاجتماعي المستمر إلى اضطراب في صورة الفرد عن نفسه، أبرز مظاهره فقدان الثقة بالنفس والتشكيك في قيمة الذات. ويجد الفرد المحاصر بالرفض صعوبة في الحفاظ على ثباته الفكري، وقد يتبنى نظرة محيطه إلى نفسه فيعتقد أنه مخطئ. ويرى راسل أن التحرر الحقيقي يكمن في البحث الإيجابي عن البيئة المتوافقة، أما خوض معارك لتغيير عقليات الآخرين فمصيره الخسارة. ويُعدّ الانفصال عن البيئة الخانقة والبحث عن دوائر اجتماعية تشارك الفرد اهتماماته ضرورة حيوية لنمو نفسي سليم وانسجام داخلي.
يثير تحليل راسل لسلطة الرأي العام سؤالا عن الاستقلال الفردي: إلى أي مدى نملك الاستعداد للتخلي عن الأمان الذي توفره الموافقة الاجتماعية، حفاظا على أصالتنا وبناء حياة تتسق مع قناعاتنا الخاصة؟
[برتراند راسل، انتصار السعادة، محمد قدري عمارة، المشروع القومي للترجمة، الطبعة الثانية ٢٠٠٩]
#رهاب_المجتمع #الاستقلال_الفكري#مجلة ايليت فوتو ارت.


