الحقُّ يُنصِفُ ولا يُجارِي

بقلم: خديجة ربيع “أسيرة القلم”

قد تعتقد أن الحقيقة تُستمد من مكانة قائلها، أو من كثرة الأتباع حوله.

“الحق لا يعرف بالرجال؛ إنما يعرف الرجال بالحق” مقولة تُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد وضع لنا قاعدة لا تهتز، فالقيمة ليست في الاسم، بل في الفكرة، وليست في الهالة، بل في النور الذي تحمله الكلمات وتوزن بين الحق والباطل والنور والظلام، ومن هنا يبدأ وعي الإنسان الحقيقي؛ حين يدرك أن البشر ليسوا معايير للحقيقة؛ بل الحقيقة هي معيار البشر. فمهما علت المنابر، وتزاحمت الأضواء يبقى الإنسان إنسانًا، يخطئ ويصيب، يضعف ويقوى، ويزلّ كما ينهض.

فلا قدوة تُتَّبع على الإطلاق، لأن القدوة المطلقة مقام لا يليق إلا بالكمال الإلهي وحده، أما البشر، فنسير خلفهم بحذر، ونحبهم بلا تقديس، ونسمع لهم بلا تسليم أعمى.

وليس من العدل أن تُختزل النفوس في أخطائها، ولا أن يُحاكم المرء بصفحة واحدة من كتاب حياته، فكلُّ ابن آدم خطّاء، والخطأ ليس وصمة دائمة، بل محطة، قد تطول أو تقصر، لكنها لا تصبح قدرًا إلا لمن أصرّ على البقاء فيها. أما القوة الحقيقية، فهي في الجرأة على مراجعة الذات، وفي الانتصار على النفس حين تدعو صاحبها للغواية، وفي اختيار الصواب رغم مرارة الاعتراف بالزلل.

وقد منحنا الله العقل، ذلك النور الداخلي به نرى الأشياء على حقيقتها، لا على ما يُزيّنه الآخرون لنا، فالعقل ليس ترفًا، بل مسؤولية وأمانة، وليس نعمةً بلا ثمن؛ بل أداة للحساب والتمييز، به نعرف الحق، وبه نرفض الزيف، وبه نقف حين يُجرّنا القطيع إلى تصديق ما لا يستقيم. فمن عطّل عقله، أضاع ميزانه، ومن أضاع ميزانه، ضلّ وإن ظن نفسه مهتديًا.

ولأن الحق لا يحتاج تصفيقًا ليبقى، ولا شهرةً ليُصدَّق، فهو ثابتٌ وإن غاب عنه المناصرون، راسخٌ وإن جحده المنكرون، باقٍ وإن حاول البشر دفنه تحت ركام الأخطاء والتبريرات.

فلا تجعلوا الأشخاص بوصلتكم، بل اجعلوا المبدأ الحق هو البوصلة، والعقل هو الدليل، والله هو الملجأ حين تضيق المسالك.

فبغير الحق يسقط الرجال مهما ارتفعوا، وبغير العقل تعمى القلوب مهما أبصرت، وبغير الله تتيه النفوس مهما ادّعت الوصول.
******
المصادر
حديث الوطن
إيليت فوتو آرت

أخر المقالات

منكم وإليكم