تصوير (الأسود والأبيض) قيمة جمالية مختلفة
الفنان الفوتوغرافي (خالد يوسف)، الفنان الفوتوغرافي (سالم الحجري)، والفنان الفوتوغرافي العالمي (مراد الداغستاني)، والفنان الفوتوغرافي (عادل عبد العال)، والفنان الفوتوغرافي (أنور الدرويش)، والفنان الفوتوغرافي (ياسر الدرويش) أنموذجًا…
لقد كان التصوير بالأسود والأبيض تصويرًا كلاسيكيًا؛ لكونه بدأ تقليديًا كمرآة تسجيلية للواقع مع أول اكتشاف لآلة التصوير (الكاميرا)، إلا أن الرؤى الفكرية والفلسفية للمدارس الفنية الحديثة جعلت منه فنًا بصريًا معاصرًا…
وعلى الرغم من التطور الحاصل والتقنيات الحديثة في هذا المجال بالذات، والتي سهلت عملية التصوير بشكل ملفت للنظر وجعلت بإمكان أيٍّ كان أن يلتقط عشرات الصور الجميلة، والمبهرة أحيانًا من خلال اللون والتأثيرات البصرية التي يسخرها في برامج المعالجة (الفوتوشوب)، إلا أن التصوير الأسود والأبيض يبقى محافظًا على عذوبته وخصوصياته الحسية والجمالية.
وأعتقد أن السبب في ذلك يعود إلى أن عين الإنسان قد اعتادت على الألوان في الطبيعة وأشبعت منها، لذا تجد في الأسود والأبيض حسًا جماليًا مختلفًا نادراً ما يشاهده المتلقي.
وليس بإمكان أيٍّ كان التقاط صورة ناجحة بالأسود والأبيض؛ فهو اختبار صعب لإمكانية المصور وقدرته على توظيف الضوء لخدمة المضمون في الصورة الفوتوغرافية، وخلاف ذلك في التصوير الملون أحيانًا يطغى اللون على الموضوع ويغطي جوانب سلبية فيه.
إن آلية الكاميرا تعتمد على ركيزتين أساسيتين لإنتاج الصورة الفوتوغرافية ألا وهما: الزمن والضوء.
والتصوير الأسود والأبيض على وجه الخصوص يحتاج إلى دراية وخبرة في توظيف الإنارة بشكل متقن في الكادر لإنتاج صورة فوتوغرافية ناجحة.
1 – الضوء:
هو العنصر الأساسي في تكوين الصورة ولا وجود لأية صورة بدونه؛ ذلك لأنه المادة غير الملموسة التي يتحسسها الفيلم السالب، أو المستشعر في الكاميرات الديجيتال ويسجلها.
وفي الأسود والأبيض بالذات يتبين بوضوح إبراز التدرج الحاصل ما بين الأسود نزولاً باللون الرمادي ودرجاته حتى الأبيض، وخصوصًا في الصور ذات العمق الميداني الواسع، ويتضح ذلك في صور الطبيعة للجبال المتفاوتة كما في المثال رقم (1) عن صورة الفنان الفوتوغرافي (خالد يوسف)، وصورة التلال الرملية المتباعدة كما في المثال رقم (2) للفنان الفوتوغرافي (سالم الحجري)، أو استثمار مسقط ضوء مركزي وإحاطة الموضوع المراد تصويره بالعتمة كما في المثال رقم (3) لصورة الفنان الفوتوغرافي العالمي (مراد الداغستاني) عن صورة (جمجمة ونقود)، والمثال رقم (4) في التركيز على عين إنسان تنظر بترقب من خلال ملفعة عن صورة الفنان الفوتوغرافي (سالم الحجري).
2 – أحيانًا يبحث المصور المحترف عن إظهار معالم الوجوه والتجاعيد التي يخلفها الزمن ويعزز من قيمتها من خلال التباين أو التضاد بين الأسود والأبيض لصور الشيوخ وكبار السن في محور الصورة الشخصية (البورتريه) كما في المثال رقم (5) عن صورة الفنان الفوتوغرافي (عادل عبد العال)، أو العكس من ذلك في استثمار الظلال المتدرجة لإظهار شفافية البشرة ورقتها في صور الفتيات اليافعات كما في المثال رقم (6) عن صورة الفنان الفوتوغرافي العالمي (مراد الداغستاني)، أو عند تسليط إنارة خفيفة لإظهار ظلال متدرجة كما في المثال رقم (7) عن صورة الفنان الفوتوغرافي (أنور الدرويش).
3 – في الصورة الأسود والأبيض أيضًا تبرز قيمة الخطوط بشكل واضح أكثر مما هي عليه في الصورة الملونة، لذا يركز مصورو المباني لإظهار الأشكال الهندسية، كما في المثال رقم (8) عن صورة الفنان الفوتوغرافي (أنور الدرويش).
4 – في الصور الأسود والأبيض وفي محور الطبيعة (landscape) أحيانًا تبرز القيمة الجمالية العالية التي تخلفها أشعة الشمس على المياه وتظهر الانعكاسات فوق سطوحها، كما في المثال رقم (9) عن صورة الفنان الفوتوغرافي (أنور الدرويش).
5 – عندما يسعى الفنان من خلال رؤيته إلى منح الشكل في الكادر سطحًا لونيًا محايدًا (رماديًا) وإبراز قيمة مركز الموضوع باللون الأبيض الناصع (الحاد) في الصحراء والكثبان أو التلال الرملية وقوافل الجمال وما شاكل ذلك، كما في المثال رقم (10) عن صورة الفنان الفوتوغرافي (سالم الحجري).
6 – وفي محور تصوير السيلويت (silhouette) يحجب المصور مصدر الضوء ويضع الهدف بينه وبين العدسة باستثمار التضاد بين الأسود والأبيض ليظهر الهدف كمساحة معتمة محاطة بالضوء، ويبرز بذلك الخطوط الخارجية للموضوع، كما في الشكل رقم (11) عن صورة المصور الفوتوغرافي (أنور الدرويش).
7 – استثمار الحركة في الموضوع والتركيز على جزء مهم منه من خلال التباين بين التركيز وما هو خارج التركيز (Focus – Out Of Focus)، ويحدث ذلك غالباً في التصوير الصحفي عند تصوير الرؤساء أو الشخصيات البارزة وسط جمع غفير من الجمهور، أو المحور الرياضي للتركيز على القيمة الفعلية للحركة كما في التصوير السريع للدراجات النارية والسيارات والقفز العالي وما شاكل ذلك، أو عند دوران الصوفية وإظهار أشكال جمالية متحركة يتوسطها مركز الموضوع ثابتاً، كما في المثالين رقم (12 – 13) عن صورتي الفنان الفوتوغرافي (عادل عبد العال).
8 – تقطيع الكادر في المشهد الواقعي والطبيعي إلى أشكال هندسية شبه مجردة متضادة أو متباينة من خلال الضوء، كما في المثالين رقم (14 – 15) عن صورتي الفنان الفوتوغرافي (سالم الحجري).
9 – تنقل إلى ذاكرتنا مشهدية الصورة الأسود والأبيض ومخيلتنا الإحساس بالقدم والعراقة والتاريخ، لذا يتناسب معها تصوير الأزقة الضيقة والأحياء القديمة وتذكرنا بعفوية الحياة وبساطتها، كما في المثال رقم (16) عن صورة الفنان الفوتوغرافي (أنور الدرويش)، وأيضاً يركز مصورو الآثار والتنقيبات على التصوير الأسود والأبيض كونه يتناسب مع التعتيق أكثر منه في الصورة الملونة ويظهر تفاصيل المواقع الأثرية بشكل أكثر جمالية ووضوحاً، كما في المثال رقم (17) عن صورة المصور الفوتوغرافي (خالد يوسف).
10 – أحياناً تندمج عناصر مختلفة بانسجام وتوافق يكمل كل منها الآخر لتشكل عملاً تعبيرياً جميلاً، كما في المثال رقم (18) عن صورة الفنان الفوتوغرافي (ياسر الدرويش) التي جمعت بين طفلة تداعب شعرها الرياح بأجواء غائمة وزورق قديم ملقى على الساحل وطيور النوارس تحلق فوق المكان باحثة عن طعام…
11 – في صورة الستيل لايف (still life) الطبيعة الصامتة، تلعب الإنارة دوراً محورياً في تكوين الكادر لتشكل حواراً صورياً صامتاً ما بين الموضوع وظلاله، وهو نوع من أنواع التصوير الفوتوغرافي الذي يمنح المصور حرية تجسيد أحاسيسه ورؤاه الفكرية؛ فهو الذي يتحكم بمفردات العمل بكل تفاصيلها.
ولقد اعتمده الرسامون قبل أن يعتمده المصورون؛ وذلك لأنه يمنح حرية أكبر للفنان، فبإمكان أي فنان – سواء كان رساماً أو مصوراً فوتوغرافياً – أن يصنع ستوديو مصغراً في غرفته وأن يؤلف العناصر ويستثمر إضاءة مناسبة لينجز عملاً فنياً ناضجاً ومتكاملاً… كما في المثال رقم (19) للفنان الفوتوغرافي (أنور الدرويش)…
إن عشق العين للأسود والأبيض لا يقف عند هذه الحدود لأسباب عديدة، على الرغم من أن لكل صورة خصوصيتها؛ فأحياناً يتوجب علينا التصوير الملون كون المشهد يتطلب منا ذلك كما في صور الزهور في المثال رقم (20) عن صورة الفنان الفوتوغرافي الدكتور (مصيب محمد جاسم)، أو في تصوير الطبيعة التي تكمن أهميتها وجمالها في اللون كما في المثال رقم (21) عن صورة الفنان الفوتوغرافي (علي اللامي)…
أنور الدرويش
ناقد فني / فنان تشكيلي / مصور فوتوغرافي
@إشارة


