من القوة إلى المعلومة: ثورة الإلكترون والسيليكون التي صنعت العالم الرقمي مع مطلع القرن العشرين، كان العالم قد تروّض مع الكهرباء كطاقة محركة تضيء الشوارع وتدير المصانع، لكن ثورة خفية كانت تختبئ داخل “ذرة” المادة، حيث بدأ العلماء يتساءلون: هل يمكننا التحكم في حركة الإلكترونات المفردة بدلاً من مجرد دفعها في أسلاك غليظة؟ كانت البداية مع الصمامات المفرغة (Vacuum Tubes)، وهي أنابيب زجاجية ضخمة سمحت بالتحكم في تدفق التيار وتحويله إلى إشارات، مما أدى لظهور الراديو والتلفاز وأوائل الحاسبات العملاقة مثل “إينياك” الذي كان يشغل غرفة كاملة ويستهلك طاقة تكفي لقرية صغيرة. لكن الانفجار الحقيقي حدث في مختبرات “بيل” عام 1947، حين نجح الثلاثي ويليام شوكلي، جون باردين، ووالتر براتين في اختراع الترانزستور (Transistor)؛ هذا الجهاز الصغير المصنوع من مواد “شبه موصلة” مثل الجيرمانيوم والسيليكون، والذي قام بنفس وظيفة الصمامات المفرغة ولكن بحجم أصغر بآلاف المرات واستهلاك طاقة لا يُذكر. لم يكن الترانزستور مجرد قطعة إلكترونية، بل كان “المفتاح” الذي سمح للكهرباء بأن تصبح “لغة” منطقية (0 و 1)، حيث يمكننا الآن حبس ملايين الترانزستورات فوق شريحة صغيرة من السيليكون فيما يعرف بـ الدوائر المتكاملة (Integrated Circuits) التي ظهرت في أواخر الخمسينيات بفضل جهود جاك كيلبي وروبرت نويس. هذه القفزة النوعية حولت الكهرباء من “طاقة خام” إلى “ذكاء معالج”، مما سمح بتصغير الحاسبات من أحجام الغرف إلى أحجام الجيوب، وظهور المعالجات الدقيقة التي تدير كل شيء اليوم من غسالات الملابس إلى أقوى خوادم الذكاء الاصطناعي. وبحلول نهاية القرن العشرين، لم تعد الكهرباء مجرد وقود للمصابيح، بل أصبحت العمود الفقري للإنترنت والاتصالات الفورية، حيث تسافر النبضات الكهربائية عبر الألياف الضوئية والدوائر المطبوعة لتربط كوكب الأرض في شبكة عصبية واحدة. ومع دخولنا الألفية الجديدة، بدأت الكهرباء تعود لأصولها الفيزيائية ولكن بأدوات مستقبلية، حيث نسعى الآن لدمجها مع ميكانيكا الكم لصناعة الحاسبات الكمومية، والبحث عن “الموصلات فائقة التوصيل” التي تنقل الطاقة دون أي فقد حراري، لنغلق الدائرة التي بدأها طاليس بقطعة كهرمان، ونصل إلى عصر تتحكم فيه الكهرباء في نسيج الواقع الرقمي والفيزيائي معاً. #TransistorRevolution#DigitalAge#Semiconductor#QuantumFuture
الفيزياء والكون # مجلة ايليت فوتو ارت.


