«البشعة» وسيلة التحكيم العرفي بكيّ اللسان .. بين إدعاء كشف الحقيقة والتحريم الشرعي والقانوني

بقلم / د نادي شلقامي

تُمثّل “البشعة” ظاهرة تاريخية متجذرة في التراث القبلي بمصر، وهي وسيلة عرفية تستهدف كشف الكذب في النزاعات، خاصة قضايا السرقة والشرف، عبر كيّ لسان المتهم بحديدة ساخنة. يقوم هذا التقرير بدراسة تفصيلية لهذه الممارسة، مستعرضاً تاريخها وكيفية إجرائها، مع التركيز على الموقف الصريح للشريعة والقانون من هذه الوسيلة المثيرة للجدل والتحريم.

أولا…. تاريخها وأسباب اللجوء إليها

1- التاريخ والأصل:

1-1- تُنسب البشعة تاريخياً إلى القبائل العربية القديمة، وتُعدّ من التقاليد والعادات الموروثة في البادية.

1-2- تُعرف بأنها “أقدم جهاز اخترعه المصريون لكشف الكذب” في السياق الشعبي والقبلي.

1-3- تراجعت ممارستها مع تطور القضاء والتحقيق الحديث، لكنها لا تزال تُستخدم أحياناً في المجالس العرفية ببعض المناطق.

2- أسباب اللجوء إليها:

2-1- غياب الأدلة والبينات: يلجأ إليها المتخاصمون في القضايا التي تفتقر إلى أدلة مادية أو شهود إثبات.

2-2- ثقة البدو بالعرف: لا يزال بعض البدو يؤمنون بهذه الطريقة في الحكم العرفي، ومما يجري على ألسنتهم “ما بعد النار من معيار”.

2-3- سرعة البت في النزاع: تتميز بأنها تفصل بين المتنازعين في جلسة واحدة دون استئناف أو نقض.

2-4- الترهيب: استخدمها البعض كـ وسيلة ترهيب لمعتادي النكران وكخيار أخير لإظهار الحق.

ثانيا…. كيفية أدائها (التنفيذ)

تُجرى البشعة بواسطة شخص يُسمى “المُبَشّع” أو القاضي العرفي، وتتم كالتالي:

1- تسخين الميسم:

يقوم المُبَشّع بتسخين “الميسم”، وهو أداة حديدية (عادةً ما تكون يد “محماس” القهوة العربية)، على النار حتى تصبح حمراء متوهجة كالجمر.

2- الاستجواب والتحقيق:

أثناء تسخين الحديد، يقوم المُبَشّع بدور المحقق ويتحدث إلى المتهم، طالباً منه إظهار الحقيقة ومُظهِراً له مدى خطورة الكي بالنار.

3- فحص اللسان:

يُطلب من المتهم أن يمد لسانه أمام الحاضرين ليُرى حاله قبل إجراء البشعة.

4- اللعق:

يضع المُبَشّع الحديدة الساخنة على لسان المتهم ليلعقها لمرة واحدة أو ثلاث مرات.

5- النتيجة والحكم:

أ- البراءة:
إذا كان المتهم صادقاً، فإنه يُعتقد أن لسانه يبقى سليماً أو يصاب بأثر محدود لا يضره. يفسر البعض ذلك بأن الصادق يكون واثقاً في نفسه، فلا يجف ريقه، ويكون لسانه مبتلاً باللُّعاب الذي يعمل كعازل طبيعي يحمي من تأثير النار.

ب- الإدانة:
إذا كان المتهم كاذباً، فإنه يُعتقد أن النار تلتصق بلسانه وتُحدث فيه حرقاً واضحاً (يُقال له “موغوف”)، ويفسر ذلك بأن الكاذب يكون مضطرباً وجاف الريق، مما يجعل المعدن الساخن يؤثر على اللسان مباشرة.

رابعا…. رأي الدين والمجتمع

1- رأي الدين (دار الإفتاء والأزهر):

1-1- التحريم والمنع:
أفتت دار الإفتاء المصرية ومركز الأزهر الشريف للفتوى الإلكترونية بأن البشعة “ليس لها أصل في الشرع والتعامل بها حرام” ولا يجوز شرعاً.

1-2-ممارسة جاهلية:
أكد الأزهر أنها ممارسة جاهلية وصورة من الدجل والكهانة وادعاء لمعرفة الغيب، وتُشبِه الاستقسام بالأزلام المحرّم شرعاً.

1-3- مخالفة لأسس العدل:
تخالف البشعة منظومة العدل التي أقامها الإسلام على البينات (الأدلة) واليمين (الحلف)، استناداً إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر”.

1-4- الإيذاء والتعذيب:
تُحرم البشعة أيضاً لِمَا فيها من الإيذاء الجسدي والتعذيب، ومخالفتها لمقاصد الشريعة في حماية النفس وصيانة الكرامة الإنسانية.

خامسا…رأي المجتمع المصري (القانون والقضايا):

1- القانون:
القضاء المصري لا يعترف بالبشعة، وهي لا تُعدّ وسيلة إثبات رسمية. أي حكم يصدر بموجبها لا قيمة قانونية له.

2- تداولها:
بالرغم من تحريمها دينياً ورغم وجود القضاء الرسمي، لا تزال تُمارس البشعة في بعض الأماكن كأحد صور التحكيم العرفي لحل النزاعات الداخلية، خاصة في مناطق البدو.

3- قضايا الشرف (الحرمة):
تُعدّ قضايا الشرف من أهم القضايا التي يلجأ فيها البعض للبشعة، كما حدث في واقعة “فتاة البشعة” التي انتشرت مؤخراً. اللجوء إليها في هذه القضايا (سواء من الفتاة لإثبات براءتها أو من عائلتها للتحقق) يعكس الثقة العرفية بها كوسيلة لدرء الفضيحة واستعادة “الشرف” في نظر القبيلة، على الرغم من خطورتها وعدم شرعيتها. يعود هذا جزئياً إلى الخوف من الفضيحة في بعض الأوساط القبلية والشعبية.

في الختام، يتبين أن ممارسة “البشعة” ما هي إلا تقليد عرفي لا يمت للعدالة الحديثة أو الإثبات الشرعي بصلة.

ورغم استمرارها في بعض الأوساط، فإنها تُجابه بالتحريم القاطع من قبل المؤسسات الدينية واعتبارها ممارسة جاهلية، كما أنها لا تُعتبر وسيلة إثبات معترف بها أمام القضاء المصري.

الأمر الذي يؤكد ضرورة ترسيخ سلطة القانون وتعزيز الوعي لإنهاء هذه الظاهرة والحفاظ على كرامة الأفراد وسلامتهم الجسدية.

******
المصادر
حديث وطن
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم