💥 بعد 40 عاماً .. «البريء» يحاكمنا جميعاً فيلم عاطف الطيب يعود بأشد أسئلته قسوة«سينماتوغراف» ـ أسامة عسلفي 15 أغسطس 1986، دخل «البريء» إلى دور العرض المصرية كفيلم يبدو للوهلة الأولى حكاية عن شاب ريفي بسيط يلتحق بالجيش، ثم يجد نفسه حارساً في معتقل، لكن بعد أربعة عقود، يبدو الفيلم أقل ارتباطاً بزمنه وأكثر التصاقاً بأسئلة الحاضر. فالمشكلة التي وضعها وحيد حامد في قلب السيناريو، وصاغها عاطف الطيب بصرياً، لم تكن فقط.. ماذا يحدث عندما يُسلب الإنسان حريته؟، بل سؤال أكثر قسوة، ماذا يحدث عندما يُسلب الإنسان قدرته على معرفة أن حريته قد سُلبت؟.وهذه هي النقطة التي تجعل «البريء» يتجاوز مناسبة الذكرى الأربعين. فالفيلم لا يتحدث فقط عن السجن، ولا عن السلطة في معناها المباشر، وإنما عن صناعة الوعي نفسه، وعن الطريقة التي يمكن بها تحويل الإنسان العادي إلى أداة تنفذ ما يُطلب منها من دون أن تسأل، من هو العدو؟ ولماذا أقاتله؟ ومن الذي قرر أنه عدو؟.أحمد سبع الليل واحد من أكثر الشخصيات تعقيداً في سينما أحمد زكي. ليس مثقفاً، ولا يمتلك خطاباً سياسياً، ولا يدخل الفيلم وهو يحمل مشروعاً للتمرد. إنه فلاح فقير لم يحصل على تعليم كافٍ، ويبدو في بدايته أقرب إلى خامة بشرية يمكن تشكيلها وفق ما يريده الآخرون، وهنا تكمن عبقرية الشخصية.فالفيلم لا يقدم «سبع الليل» باعتباره شريراً يتحول إلى إنسان صالح، وإنما باعتباره إنساناً صالحاً يتم تحويله تدريجياً إلى أداة للعنف. الفرق جوهري؛ لأن الشر في «البريء» لا يأتي من طبيعة الشخصية، بل من عملية طويلة لتفريغها من قدرتها على التفكير.يتعلم سبع الليل أن الأوامر لا تُناقش، وأن المعتقلين أعداء، وأن إطلاق النار يمكن أن يصبح واجباً أخلاقياً إذا قيل له إن الطرف الآخر يمثل خطراً على الوطن.ولهذا فإن مأساة الشخصية ليست في أنها ارتكبت العنف، وإنما في أنها ارتكبته وهي تظن أنها تفعل الصواب.وفي هذا الفيلم يظهر عاطف الطيب في أفضل حالاته.فالمخرج لم يتعامل مع المعتقل باعتباره مجرد مكان مغلق، وإنما جعله آلة ضخمة لإنتاج الطاعة. الجدران، الأسلاك، الزي العسكري، الأوامر، صفوف الجنود، حركة الأجساد، كلها تتحول إلى لغة بصرية واحدة، الفرد لا قيمة له حين يذوب داخل المؤسسة.وهذه من أهم سمات سينما الطيب عموماً؛ اهتمامه بالإنسان العادي عندما تصطدم حياته بمؤسسات أكبر منه، وقد ارتبطت أفلامه بصورة خاصة بصراعات الناس العاديين وضغوط الواقع الاجتماعي.في «البريء»، لا يحتاج الطيب إلى خطب سياسية طويلة. يكفيه أن يجعل الكاميرا تراقب كيف يتحول جسد سبع الليل إلى جزء من آلة عسكرية، وكيف يصبح صوت الأمر أعلى من صوت الضمير.إنها سينما تعتمد على الفعل لا على الشرح.أخطر ما في سيناريو وحيد حامد أنه لا يقدم مفهوم «العدو» باعتباره حقيقة ثابتة. العدو هنا صناعة لغوية وإدارية وأمنية؛ يكفي أن يُسمى الإنسان عدواً حتى يصبح تعذيبه أو سجنه أو قتله قابلاً للتبرير.ولهذا يبدو «البريء» اليوم شديد الصلة بعالمنا، رغم اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية.ففي عصر المعلومات المضللة، وخطاب الكراهية، والاستقطاب الحاد، وخوارزميات مواقع التواصل التي تستطيع أن تقدم لكل فرد نسخة خاصة من الحقيقة، أصبح السؤال الذي يطرحه الفيلم أكثر اتساعاً، من يصنع صورة العدو في رؤوسنا؟.لم يعد الأمر يحتاج دائماً إلى معسكر ومعتقل وبندقية. يمكن أن تصنع الشاشة الصغيرة، والخطاب الإعلامي، والمعلومة المبتورة، والخوف المتكرر، المهمة نفسها بدرجات مختلفة. ومن ثم يتحول الفيلم من حكاية عن «سبع الليل» إلى تحذير من قابلية الإنسان للتشكيل.وأكثر ما يظل عالقاً في «البريء» هو اللحظة التي يلتقي فيها سبع الليل بصديقه حسين وهدان داخل المعتقل.كان حسين هو الشخص الذي فتح أمام سبع الليل نافذة على العالم، وعلّمه معنى الوطن والانتماء. لكن النظام الذي تعلم سبع الليل طاعته يضع الاثنين في موقعين متناقضين، أحدهما سجين، والآخر حارس.هذه المفارقة تختصر الفيلم كله.فحين يصبح الصديق عدواً، يصبح السؤال الحقيقي، هل نصدق ما تعلمناه من الإنسان الذي أحببناه، أم ما لقنته لنا السلطة؟.والمشهد لا يختبر شجاعة سبع الليل فقط؛ إنه يختبر ما تبقى من إنسانيته بعد عملية إعادة تشكيل طويلة.ولم يكن أداء أحمد زكي في «البريء» مجرد أداء لشخصية شعبية. إنه بناء تدريجي لانهيار داخلي.في البداية، تبدو حركته غير متقنة، وصوته يحمل سذاجة الرجل الذي جاء من عالم مختلف. ومع مرور الأحداث، تتغير ملامحه وحركاته وطريقة وقوفه، كأن المؤسسة العسكرية لا تغير أفكاره فقط، بل تعيد تشكيل جسده أيضاً.ثم تأتي الصدمة.عندما يكتشف أن «العدو» ليس كما قيل له، لا يتحول فجأة إلى فيلسوف أو سياسي. يتحول إلى إنسان مجروح.وهذه واحدة من نقاط قوة الفيلم، الوعي لا يأتي إلى سبع الليل في صورة انتصار، وإنما يأتي متأخراً، وبعد أن يكون قد دفع ثمن الجهل.وربما لم يكن أكثر ما أخاف الرقابة في «البريء» هو ما قيل في الحوار، وإنما ما كان يمكن أن يحدث عندما يكتشف الجندي أن السلاح الذي في يده يمكن أن يتحول من أداة لتنفيذ الأوامر إلى أداة لرفضها.وتشير شهادات لاحقة إلى تدخل جهات سيادية في تغيير النهاية الأصلية للفيلم، التي تضمنت مواجهة دموية داخل المعسكر، كما ظلت النسخة الكاملة ممنوعة من العرض سنوات قبل إتاحة عرضها في 2005 ضمن المهرجان القومي للسينما تكريماً لأحمد زكي.وهنا تصبح الرقابة نفسها جزءاً من تاريخ الفيلم، لا مجرد هامش حوله.فـ«البريء» يتحدث عن حدود ما يستطيع الفن قوله، ثم جاءت قصة نهايته لتضيف طبقة واقعية إلى الموضوع الذي يناقشه، من يملك حق تحديد النهاية؟.في 1986، كان «البريء» يقرأ واقعاً سياسياً واجتماعياً محدداً، مناخاً كانت فيه آثار أحداث يناير 1977 حاضرة في الذاكرة المصرية، وهي الخلفية التي ارتبط بها جزء من الإلهام الذي تحدث عنه وحيد حامد لاحقاً.لكن قوة الفيلم أنه لم يبقَ أسير تلك اللحظة.بعد أربعين عاماً، يمكن مشاهدته من زاوية أخرى، ليس باعتباره فيلماً عن المعتقل فقط، بل عن الإنسان الذي يتنازل تدريجياً عن مسؤوليته الأخلاقية لصالح نظام يقول له ماذا يرى وماذا يكره ومتى يطيع.وهذه الفكرة لم تفقد صلاحيتها؛ ربما أصبحت أكثر تعقيداً.في زمن تتعدد فيه مصادر المعلومات، لا يعني ذلك بالضرورة أن الإنسان أصبح أكثر حرية. أحياناً يحدث العكس، كثرة الأصوات يمكن أن تجعل السيطرة على الوعي أكثر سهولة، لأن الحقيقة نفسها تصبح ساحة صراع.لهذا فإن إعادة مشاهدة «البريء» في ذكراه الأربعين لا ينبغي أن تكون مجرد احتفال بفيلم كلاسيكي، أو استعادة لأداء استثنائي لأحمد زكي، أو تحية لعاطف الطيب ووحيد حامد.الأهم هو اكتشاف أن الفيلم ما زال يطرح سؤالاً غير مريح، هل يمكن لإنسان طيب أن يصبح خطراً عندما يتوقف عن التفكير؟.الإجابة التي يقدمها الفيلم ليست مريحة.فـ«سبع الليل» لم يولد قاتلاً، ولم يدخل المعتقل وهو يحمل كراهية لأحد. لقد دخل باعتباره إنساناً قابلاً للتصديق، ثم خرج منه وهو يحمل بندقية وأوامر وتعريفاً جاهزاً للعدو.وهنا تكمن عظمة «البريء».. إنه لا يخيفنا من الوحش، بل يخيفنا من الإنسان العادي حين يُقنع بأن الوحشية واجب.بعد 40 عاماً، لم يعد الفيلم مجرد وثيقة عن مصر في الثمانينات؛ أصبح مرآة لسؤال إنساني مفتوح، كم نحتاج من الوقت حتى نكتشف أن ما قيل لنا عن «الآخر» كان كذبة؟.وربما لهذا السبب تحديداً، لم يمت «البريء».لقد تغيرت الأدوات، وتغيرت الشاشات، وتغيرت أشكال السلطة، لكن المعركة التي صورها عاطف الطيب لا تزال قائمة، معركة الإنسان كي يحتفظ، وسط كل ما يحيط به، بحقه الأخير في أن يقول: أنا أرى بنفسي. #فيديو، #أفلام، #فيديوهات، #ممثل، #ممثلين، #ممثلة، #ممثلات، #سينما، #سيما، #هوليوود، #فيلم_اليوم، #رعب، #رومانس، #كوميدي، #أكشن، #خيال_علمي، #وثائقي، #تاريخي، #مهرجانات_سينمائية، #سينما_العالم، #سينما_مختلفة، #تقارير_فنية، #مراجعات_أفلام، #بلاتوهات، #نجوم، #أخبار، #ذاكرة_العالم_أمام_عينيك#مجلة ايليت فوتو ارت.


