البارانويا، في جوهرها، ليست مجرد اضطراب في التفكير، بل هي “يقين مطلق” بامتلاك الحقيقة

الذهان والبارانويا الطفولية: دراسة تحليلية بنيوية وإكلينيكية في ضوء أطروحات تشارلز ميلمان

إعداد د: جينا جلال

المقدمة: البارانويا كيقين مطلق والذهان كبنية وجودية
تعد البارانويا (Paranoia) والذهان (Psychosis) من أعقد البنى النفسية التي واجهت التحليل النفسي والطب النفسي على حد سواء. في كتابه “كيف يصبح المرء بارانوياً: من شريربر إلى أيامنا هذه”، يقدم المحلل النفسي الفرنسي تشارلز ميلمان (Charles Melman) رؤية عميقة تتجاوز التوصيف الإكلينيكي السطحي، لتبحث في الجذور البنيوية واللغوية لهذه الحالات. إن البارانويا، في جوهرها، ليست مجرد اضطراب في التفكير، بل هي “يقين مطلق” بامتلاك الحقيقة. هذا اليقين هو ما يميز البارانوي عن العصابي؛ فبينما يعيش العصابي في دائرة الشك والتساؤل حول رغبة الآخر، يمتلك البارانوي إجابة قاطعة، وغالباً ما تكون هذه الإجابة مرتبطة بكونه موضوعاً لاضطهاد أو مراقبة أو اهتمام خاص من “الآخر الكبير”.

عندما نتحدث عن الذهان والبارانويا الطفولية، فإننا لا نتحدث عن مرض يصيب الطفل فجأة، بل عن مسار تطوري يفشل فيه الطفل في الاندماج في النظام الرمزي (Symbolic Order). هذا الفشل يعود في جذوره إلى اللحظات التأسيسية لتشكل الذات، وتحديداً في علاقة الطفل بصورته وعلاقته برغبة الأم. إن فهم هذه البنية يتطلب الغوص في الآليات اللاكانية التي تشرح كيف ينبني العالم النفسي للطفل، وأبرزها مفهوم النبذ (Forclusion) الذي يمثل نقطة التحول البنيوية نحو الذهان.

الجذور البنيوية للذهان: آلية النبذ (Forclusion) والواقعي (The Real)
النبذ (Forclusion) واسم الأب
المفهوم المركزي الذي يطرحه ميلمان لفهم الذهان هو النبذ (Forclusion). في التطور النفسي الطبيعي، يتدخل “اسم الأب” (Nom-du-Père) ليفصل بين الأم والطفل. الأب هنا ليس الشخص البيولوجي بالضرورة، بل هو “الدال” (Signifier) الذي يمثل القانون والمنع. وظيفة اسم الأب هي كبح رغبة الأم المطلقة، وإدخال الطفل في عالم اللغة والقانون الرمزي.

في حالات الذهان والبارانويا الطفولية، يحدث نبذ لاسم الأب؛ أي أن هذا الدال الأساسي لا يتم دمجه في البنية النفسية للطفل. والنتيجة هي بقاء الطفل في علاقة ثنائية “مرآتية” مع الأم، حيث تكون رغبة الأم قانوناً مطلقاً ومدمراً. بدون تدخل الأب كطرف ثالث، يظل الطفل موضوعاً (Object) لرغبة الأم، بدلاً من أن يصبح ذاتاً (Subject) لها رغبتها الخاصة. هذا الغياب للوظيفة الأبوية يترك ثقباً في النظام الرمزي، وهو الثقب الذي يحاول الذهاني سده من خلال “الهذيان” (Delusion). الهذيان في البارانويا ليس مجرد وهم، بل هو محاولة لترميم العالم الرمزي المنهار.

غزو الواقعي (The Real)
نتيجة لـ النبذ، يجد الطفل الذهاني نفسه في مواجهة مباشرة مع السجل الواقعي (The Real). في الحالة العصابية، يتم حجب الواقعي (وهو ما لا يمكن ترميزه أو تخيله، مثل الصدمة أو الموت) بواسطة الرمزي. أما في الذهان، فإن هذا الحجاب يزول، ويبرز الواقعي بشكل فج ومباشر.

الطفل البارانوي يختبر الواقعي كغزو خارجي؛ الأصوات التي يسمعها الذهاني ليست مجرد تخيلات، بل هي “واقع” مادي يفرض نفسه عليه. يوضح ميلمان أن هذه الأصوات هي في الحقيقة “كلام الآخر” الذي لم يتم استدماجه كجزء من الذات، فارتد من الخارج كظاهرة واقعية. هذا التفسير يغير نظرتنا للذهان الطفولي من كونه “فقدان للواقع” إلى كونه “غرق في الواقعي”.

التشكل الأولي للذات: مرحلة المرآة والأنا البارانوي
يشير ميلمان، مستنداً إلى جاك لاكان، إلى أن “مرحلة المرآة” (The Mirror Stage) التي تحدث بين الشهر السادس والشهر الثامن عشر من عمر الطفل، هي اللحظة التي يتشكل فيها “الأنا” (Ego). في هذه المرحلة، يرى الطفل صورته في المرآة ككتلة متكاملة، بينما لا يزال يشعر بجسده كأجزاء مبعثرة وغير منسقة. هذا التناقض يؤدي إلى “اغتراب” أساسي؛ فالطفل يتماهى مع صورة خارجة عنه، صورة مثالية تمنحه شعوراً بالوحدة والكمال.

هذا الاغتراب هو “المصفوفة” الأولى لكل المواقف البارانوية اللاحقة. فالأنا، بطبيعته، هو بنية بارانوية لأنه يتشكل من خلال صورة الآخر. في الذهان الطفولي، يظل الطفل أسيراً لهذه الصورة، غير قادر على التمييز بين ذاته وبين الآخر. هنا تبرز البارانويا كدفاع ضد التفكك؛ فالطفل يحاول الحفاظ على تماسك صورته من خلال إسقاط عدوانيته على الآخرين، أو من خلال الشعور بأن الآخرين يراقبونه أو يهددون كيانه الهش.

البارانويا الطفولية في العلاقة الأمومية: الزوج المثالي والجسد المقطع
العلاقة الثنائية واللغة الخاصة
يتناول ميلمان فكرة “الزوج المثالي” بين الأم والطفل في حالات الذهان. في هذه العلاقة، لا يوجد مكان للغيرية أو للاختلاف. الأم ترى في طفلها “الفالوس” (Phallus) المفقود الذي يكمل نقصها، والطفل يرى في الأم عالمه المطلق. هذه العلاقة تؤدي أحياناً إلى ابتكار “لغة خاصة” بينهما، لغة لا تخضع لقواعد اللغة العامة (اللغة الرمزية).

في البارانويا الطفولية، يشعر الطفل أن رغبة الأم هي رغبة “مفترسة”. وبما أن اسم الأب غائب (نتيجة النبذ)، لا يوجد ما يحمي الطفل من هذا الافتراس. هنا تظهر البارانويا كآلية لتعيين “عدو” خارجي، وهو ما يسمح للطفل بتفسير شعوره بالتهديد دون أن يضطر لمواجهة حقيقة أن التهديد ينبع من داخل العلاقة الأولية مع الأم.

الجسد المقطع والحدود البارانوية
رغم أن البارانويا تنشأ من مرحلة المرآة، إلا أنها تحمل في طياتها رعب العودة إلى مرحلة “الجسد المقطع” (Corps morcelé). يحلل ميلمان كيف أن الهذيان البارانوي هو في الحقيقة “جلد” نفسي يحاول لم شتات الجسد الذي يهدده التفكك. عندما يشعر الطفل البارانوي أن الآخر يراقبه، فهو في الحقيقة يحاول “تثبيت” أجزاء جسده تحت نظرة الآخر.

النظرة (The Gaze) في البارانويا تلعب دوراً مزدوجاً؛ فهي مصدر الاضطهاد، ولكنها أيضاً مصدر التماسك. بدون نظرة الآخر (حتى لو كانت مضطهدة)، يشعر البارانوي أنه سيتلاشى. هذا يفسر لماذا يستميت بعض المرضى في الحفاظ على هذياناتهم؛ فالهذيان هو ما يبقيهم “متماسكين” جسدياً ونفسياً.

البارانويا الإكلينيكية: دراسة حالات كلاسيكية
ذهان العقاب الذاتي: حالة “إيمي”
حالة “إيمي” (Aimée)، التي كانت موضوع أطروحة لاكان، تمثل ما يسمى بـ “ذهان العقاب الذاتي”. إيمي هاجمت ممثلة مشهورة كانت تمثل بالنسبة لها “الأنا المثالي” الذي لا تستطيع الوصول إليه. يوضح ميلمان أن فعل الاعتداء كان في جوهره محاولة من إيمي “لإيقاف” الهذيان؛ فبمجرد أن تم القبض عليها ومعاقبتها، اختفى الهذيان. العقاب هنا عمل كـ “حد” خارجي عوض غياب الحد الرمزي الداخلي الناتج عن النبذ.

الهذيان الثنائي: حالة “الأخوات بابين”
أما حالة “الأخوات بابين” (Sœurs Papin)، الخادمتان اللتان قتلتا مخدومتيهما بوحشية، فهي تجسد “الهذيان الثنائي” (Délire à deux). يحلل ميلمان كيف أن الأختين كانتا تعيشان في علاقة مرآتية مطلقة، حيث كانت كل منهما تؤكد للأخرى هذياناتها. غياب “الطرف الثالث” (الأب/القانون) جعل العلاقة بينهما وبين العالم الخارجي علاقة تصادمية دموية. في الذهان الطفولي، نرى أحياناً هذا النوع من التماهي المطلق مع الأم، حيث يصبح العالم الخارجي كله عدواً يهدد هذا “الزوج المثالي”.

البارانويا كدفاع بنيوي: الفرق بين الذهان والعصاب والميلانخوليا
البارانويا كدفاع ضد الميلانخوليا
يطرح ميلمان فكرة مثيرة للاهتمام، وهي أن البارانويا قد تكون “دفاعاً” ضد الميلانخوليا (Melancholia). في الميلانخوليا، يشعر الذات بالذنب المطلق وبالفراغ الوجودي نتيجة فقدان موضوع الحب. أما في البارانويا، فإن الذات تنقل هذا الشعور بالسوء إلى الخارج؛ “لست أنا المخطئ أو السيئ، بل الآخر هو الذي يضطهدني”. بهذا المعنى، البارانويا هي محاولة للحفاظ على “نرجسية” الذات من الانهيار التام. بالنسبة للطفل، البارانويا هي الطريقة الوحيدة للبقاء “حياً” كذات، حتى لو كانت هذه الذات مضطهدة.

الفروق البنيوية
يكمن الفرق الجوهري بين الذهان (بما فيه البارانويا) والعصاب في آلية التأسيس:

• العصاب: يتميز بـ “الكبت” (Refoulement) لاسم الأب، مما يؤدي إلى عودة المكبوت في شكل أعراض عُصابية (مثل القلق أو الهستيريا).
• الذهان (البارانويا): يتميز بـ النبذ (Forclusion) لاسم الأب، مما يؤدي إلى عودة الدال المنبوذ من الخارج في شكل ظواهر ذهانية (مثل الهذيان أو الهلوسة).

البارانويا الاجتماعية والتقنية: انعكاس البنية على المجتمع
من أكثر إضافات ميلمان إثارة هي حديثه عن “البارانويا الاجتماعية”. يرى ميلمان أننا نعيش في عصر يتسم بتراجع “وظيفة الأب” الرمزية، مما أدى إلى صعود البارانويا كآلية بديلة للتنظيم الاجتماعي. في غياب القانون الرمزي الذي يجمع الناس، نلجأ إلى “البروتوكولات” والرقابة التقنية.

البارانويا الاجتماعية تتجلى في هوسنا بالبيانات، والشفافية المطلقة، والمراقبة المستمرة (Big Brother). بالنسبة للطفل المعاصر، هذا يعني نشوءه في بيئة “مراقبة” تقنياً، حيث يتم تسجيل كل حركة وسكنة. هذا المناخ يعزز النزعات البارانوية؛ فالطفل يشعر أنه دائماً تحت مجهر “الآخر الكبير” التقني. يربط ميلمان بين هذا وبين زيادة حالات فرط الحركة والقلق، حيث يحاول الطفل “الهروب” من هذه الرقابة الخانقة التي تفتقر إلى البعد الإنساني الرمزي.

البارانويا والمعرفة المطلقة
يستعرض ميلمان علاقة البارانوي بالمعرفة والعلم. البارانوي هو “عالم” بطبعه؛ فهو يبحث دائماً عن الأسباب الكامنة وراء الظواهر. لكن معرفته هي “معرفة مطلقة” لا تقبل الشك. بالنسبة للطفل البارانوي، تصبح “المعرفة” سلاحاً. هو يريد أن يعرف كل شيء عن رغبة الآخر ليحمي نفسه منها. هذه العلاقة مع المعرفة تعكس محاولته للسيطرة على عالم يشعر أنه يخرج عن سيطرته باستمرار.

الخاتمة: دور المحلل في مواجهة اليقين البارانوي
إن دراسة الذهان والبارانويا الطفولية من خلال أطروحات تشارلز ميلمان تفتح آفاقاً جديدة للعلاج النفسي. العلاج هنا لا يهدف إلى “تصحيح” أفكار الطفل أو إقناعه بأن هذيانه غير حقيقي، بل يهدف إلى محاولة إدخال “الدال” و”القانون” في عالم الطفل.

يختتم ميلمان رؤيته بالتأكيد على أن دور المحلل ليس “تحطيم” الهذيان، بل “مرافقته”. في التعامل مع الطفل البارانوي، يجب على المعالج أن يتجنب التموضع في مكان “الآخر الكبير” الذي يعرف كل شيء، لأن ذلك سيعزز مخاوف الطفل من الاضطهاد. بدلاً من ذلك، يجب على المحلل أن يكون “شاهداً” (Witness) يساعد الطفل على صياغة هذيانه بطريقة أقل تدميراً. المحلل هنا يمثل “المكان الثالث” الذي يكسر حدة العلاقة المرآتية الثنائية بين الطفل وهذيانه أو بين الطفل وأمه.

إن البارانويا هي الرفض المطلق للثغرات الموجودة في القانون الرمزي. من هنا، يصبح هدفنا الأسمى هو تعليم الطفل كيف يحب “النقص” وكيف يسكن في الفراغات التي تتركها اللغة، بدلاً من محاولة ردمها بيقين مدمر.

المراجع

  1. Melman, C. (2008). Como alguém se torna paranóico: de Schreber a nossos dias. CMC Editora.
    ملاحظة تم اعداد هذا المقال بالاعتماد على المرجع الأصلي بعد استخراج الأفكار الرئيسية باستخدام Manus pro Max AI و مراجعتنا و التأكدمن صحّتها
  2. # موسوعة المعرفة# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم