الباحث:عبد الرزاق الحمصي.. ذاكرة تاريخية تمشي بين الناس- مشاركة: سمر عزيز.

عبد الرزاق الحمصي.. ذاكرة تاريخية تمشي بين الناس
اختار الباحث عبد الرزاق الحمصي أن يقترب من التاريخ بطريقة مختلفة؛ أن يفتش عنه في المكان، وأن يعيد رواية الحكايات التي تركتها الحضارات السورية وراءها.

الحمصي باحث في التاريخ والآثار، ودليل سياحي، عرفه المهتمون بالشأن التاريخي والتراثي من خلال محاضراته ولقاءاته الإعلامية وحديثه المتواصل عن المدن والمواقع التي صنعت جانبًا كبيرًا من ذاكرة سورية.
ولعل إيبلا واحدة من المحطات التي تكشف شغفه بالتاريخ السوري القديم. فقد تحدث عن هذه المدينة التي خرجت من تراب سورية حاملة آلاف الرقم والوثائق، ورأى في أرشيفها نافذة واسعة على حياة الإنسان القديم، لا على أخبار الملوك والحروب فقط. توقف عند الاقتصاد والزواج والتعليم والحياة الاجتماعية، ولفت إلى حضور المرأة ومكانتها في مجتمع إيبلا.
وهذه الطريقة في النظر إلى الماضي تكشف شيئًا من شخصية الحمصي؛ فهو لا يريد للتاريخ أن يبقى أسماءً وتواريخ محفوظة، بل يحاول أن يعيد إليه الإنسان الذي عاشه، وأن يجعل من الوثيقة والأثر طريقًا لفهم الحياة التي كانت ذات يوم نابضة في هذه المدن.

دمشق حاضرة بقوة في اهتمامه أيضًا. قاسيون، بردى، أحياء المدينة القديمة، وما يرتبط بها من روايات وحكايات، كلها تتحول في حديثه إلى أبواب تقود إلى دمشق أخرى؛ دمشق التي كانت فيها الجغرافيا جزءًا من التاريخ، وكان النهر يصنع الحياة، والجبل يحرس المدينة، وكل حجر يحمل أثرًا ممن مروا من هنا.

ولم تبتعد حلب عن خريطته التاريخية؛ فقد تحدث عن حلب الشهباء ومكانتها عبر العصور، وعن موقعها في تاريخ المنطقة، كما امتد اهتمامه إلى مواقع سورية كثيرة، من المدن القديمة إلى القلاع والآثار والمعالم التي تختزن طبقات متراكمة من الحضارة.

وربما ما يمنح تجربة الحمصي خصوصيتها أنه لا يكتفي بالبحث والحديث، بل ينزل بالتاريخ إلى الميدان. فعمله كدليل سياحي أتاح له أن يصطحب الزائر إلى الموقع نفسه، وأن يجعل الجولة بين الآثار درسًا مفتوحًا في التاريخ. وهنا يصبح الحجر كتابًا، والطريق صفحة، والمدينة رواية يمكن قراءتها أثناء المشي.

في لقاءاته، يبدو حريصًا على فكرة أساسية: التاريخ لا يُكتب من الحكايات المتناقلة وحدها، بل يحتاج إلى الوثيقة والكتاب والبحث والتدقيق. وربما لهذا السبب ظل اهتمامه منصبًا على التفاصيل التي تساعد في إعادة بناء الصورة الحقيقية للماضي، بعيدًا عن المبالغات التي كثيرًا ما ترافق الحديث عن التاريخ القديم.

ومن أجمل ما في حضوره أنه يعيد للذاكرة السورية شيئًا من دفئها؛ فهو حين يتحدث عن إيبلا لا يتحدث عن مدينة بعيدة ماتت منذ آلاف السنين، وحين يتحدث عن بردى لا يراه مجرد نهر، وحين يستعيد حكايات قاسيون وحلب ودمشق لا يتعامل معها كآثار منفصلة، بل كفصول من قصة سورية طويلة.

إنه يرى في التاريخ ذاكرة حيّة، وفي الآثار وجوهًا لأناس عاشوا قبلنا، وفي المدن القديمة امتدادًا لحياة لم تنقطع تمامًا.

ولهذا يبدو عبد الرزاق الحمصي أقرب إلى ذلك الراوي الذي يمشي بين طبقات الزمن، يلتقط من هنا حكاية، ومن هناك أثرًا، ثم يعيد جمعها أمام الناس ليقول لهم إن سورية التي نعرفها اليوم ليست بداية الحكاية، وإن وراء كل مدينة وقلعة ونهر وجبل صفحات طويلة من تاريخ الإنسان.

وبين الباحث والدليل والمحاضر، تتشكل تجربته بوصفها محاولة لاستعادة ما يمكن أن يضيع من الذاكرة؛ أن يجعل التاريخ قريبًا من الناس، وأن تبقى سورية حاضرة في حكاياتها، لا في كتب التاريخ وحدها.
#سوريات_souriat
سمر عزيز
رابط المقال في موقع سوريات
https://backend.souriat.com/share/article/1358

أخر المقالات

منكم وإليكم