أحمد نسيم سوسة: المهندس الذي قادته دراسة الأرض إلى إعادة قراءة التاريخ
هناك أسماء كثيرة من الباحثين الذين تناولوا تاريخ فلسطين والشرق الأدنى القديم، والروايات التوراتية، بالنقد والمقارنة بين النصوص والأدلة المادية. ومن بين هذه الأسماء الدكتور أحمد نسيم سوسة (1900–1982)، وهو شخصية علمية عراقية استثنائية جمعت بين الهندسة والري والجغرافيا والتاريخ والآثار ودراسة الحضارات القديمة.لكن أهمية سوسة لا تكمن فقط في آرائه التاريخية، وإنما في مسيرته العلمية نفسها. فقد كان واحدًا من أوائل المهندسين العراقيين الذين تلقوا تعليمًا هندسيًا متقدمًا في الولايات المتحدة، ثم عاد إلى العراق ليشارك بصورة مباشرة في تطوير مؤسسات الري والمساحة، قبل أن يتوسع اهتمامه إلى تاريخ العراق والشرق الأدنى القديم.
▪︎من الحلة إلى الجامعات الأمريكية
وُلد أحمد نسيم سوسة في مدينة الحلة بالعراق عام 1900، في أسرة يهودية عراقية، وكان اسمه عند ولادته نسيم سوسة.
أكمل دراسته الثانوية في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة، حيث حصل عام 1928 على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية من كلية كولورادو، ثم واصل دراساته العليا وحصل عام 1930 على الدكتوراه من جامعة جونز هوبكنز بدرجة شرف، وفق السير المنشورة عنه.
ولم تكن مسيرته الأكاديمية عادية؛ فقد انتُخب عضوًا في مؤسسة فاي بيتا كابا (Phi Beta Kappa) العلمية الأمريكية، كما حصل عام 1929 على جائزة ويديل من جامعة واشنطن عن مقال يتعلق بدعم السلام بين الشعوب، بحسب المصادر التي توثق سيرته.
▪︎العودة إلى العراق: من الهندسة إلى دراسة الأرض
عاد سوسة إلى العراق عام 1930، وعُيّن مهندسًا في دائرة الري العراقية. وظل قرابة ثمانية عشر عامًا يتدرج في وظائف فنية داخل هذه الدائرة، قبل أن يتولى عام 1946 منصب معاون رئيس الهيئة التي أُلفت لدراسة مشاريع الري العراقية الكبرى.
وفي عام 1947 أصبح مديرًا عامًا للمساحة، ثم تولى منصبًا إداريًا في وزارة الزراعة عام 1954، قبل أن يعود إلى منصب المدير العام للمساحة حتى عام 1957. وتورد المصادر العراقية التي تتناول سيرته أنه شارك بصورة مباشرة في مشاريع الري الكبرى التي ساهمت في تطوير منظومة الري في العراق.
وكانت خبرته الميدانية واسعة؛ ففي عامي 1939 و1940 ترأس بعثتين أوفدتهما الحكومة العراقية إلى المملكة العربية السعودية لدراسة مشاريع الري في الخرج والإشراف على تنفيذها.
وعندما تأسس مجلس الإعمار العراقي عام 1951، ارتبط سوسة بالمجلس في موقع قيادي فني، كما كان من أوائل أعضاء المجمع العلمي العراقي منذ تأسيسه عام 1946، وظل عضوًا فيه حتى وفاته.كما شارك في مؤتمرات هندسية عربية ودولية ممثلًا للعراق، وكان من مؤسسي جمعية المهندسين العراقيين عام 1938، وحصل خلال حياته على عدد من الأوسمة والجوائز، ومنها وسام الرافدين، كما كُرّم في المملكة العربية السعودية بوسام الملك عبد العزيز.
▪︎أكثر من خمسين كتابًا ومئات الأبحاث
لم يتوقف نشاط سوسة عند الهندسة.فقد اتجه إلى دراسة الري والزراعة والجغرافيا والتاريخ والحضارة، وأصبح مهتمًا بصورة خاصة بالعلاقة بين الماء والجغرافيا ونشوء المدن والحضارات القديمة.وتذكر المصادر التي تناولت إنتاجه العلمي أن مؤلفاته تجاوزت خمسين كتابًا وتقريرًا فنيًا وأطلسًا، إضافة إلى أكثر من 116 مقالًا وبحثًا منشورًا في الصحف والمجلات العلمية.
ومن أعماله:
- في طريقي إلى الإسلام، بجزأين، 1936.
- نظام الامتيازات في الدولة العثمانية، باللغة الإنجليزية، 1933.
- المصادر عن ري العراق، 1942.
- وادي الفرات، بجزأين، 1944–1945.
- تطور الري في العراق، 1946.
- دليل ري العراق، باللغة الإنجليزية، 1944.
- الري في العراق، باللغة الإنجليزية، 1945.
- سدة الهندية، باللغة الإنجليزية، 1945.
- ري سامراء في عهد الخلافة العباسية، بجزأين، 1948.
- فيضانات بغداد في التاريخ، في ثلاثة أجزاء، 1963–1966.
- تاريخ يهود العراق.
- العرب واليهود في التاريخ.
- الشريف الإدريسي في الجغرافية العربية.
وتؤكد المصادر الببليوغرافية المتاحة عددًا من هذه العناوين وتواريخها، ومنها «في طريقي إلى الإسلام»، الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1936، و«وادي الفرات» و«المصادر عن ري العراق» وغيرها.
▪︎اليهودي العراقي الذي أصبح مسلمًا
كان أحمد سوسة يهودي الديانة، ثم اعتنق الإسلام عام 1936 بحسب المصادر التي توثق سيرته.وقد كتب بنفسه عن تجربته في كتاب «في طريقي إلى الإسلام»، ولذلك فإن قصة تحوله ليست مجرد رواية متناقلة عنه؛ فهناك عمل كتبه هو نفسه يتناول هذه التجربة.وتروي المصادر المنشورة عن سيرته أن اهتمامه بالقرآن واللغة العربية بدأ مبكرًا، وأنه كان يستمع إلى تلاوة القرآن ويتأمل آياته، ثم انكب خلال سنوات دراسته في الولايات المتحدة على دراسة الأديان والفلسفات والتاريخ.ومن المهم هنا أن نميز بين ما كتبه سوسة بنفسه عن تجربته وبين التفسيرات التي أضافها بعض الكتاب اللاحقين إلى قصته.
▪︎هل قادته مهنته إلى التشكيك في بعض الروايات التوراتية؟
هذه هي النقطة الأكثر إثارة في سيرة أحمد سوسة.
لقد كان الرجل، بحكم عمله الهندسي، يتعامل مع الأرض والمياه والأنهار والقنوات والخرائط والمواقع القديمة، وليس مع النصوص التاريخية من خلف مكتب فقط.ومن هنا جاء اهتمامه بتاريخ العراق القديم وحضارات بلاد الرافدين، وبالطرق التي ارتبطت بها المجتمعات القديمة بالأنهار وشبكات الري والاستيطان.
وفي مرحلة لاحقة انتقل هذا الاهتمام إلى دراسة تاريخ المنطقة بصورة أوسع، ومنها تاريخ فلسطين والعرب واليهود.وهنا بدأ يقارن بين الروايات التوراتية من جهة، والمعطيات الجغرافية والأثرية والتاريخية من جهة أخرى.
وتُروى في المصادر التي تناولت سيرته قصة مفادها أن مشاهداته ودراساته الميدانية قادته إلى ملاحظة تناقضات بين بعض الروايات التوراتية وبين ما تكشفه آثار الحضارات القديمة.
و يبدو أن تكوينه الهندسي وخبرته الميدانية ودراسته للتاريخ والآثار كانت جزءًا من تطور فكري طويل، وأنه هو نفسه وثّق جانبًا من رحلته الفكرية والدينية في كتابه «في طريقي إلى الإسلام».
▪︎العرب واليهود في التاريخ
من أهم أعمال سوسة في هذا السياق كتابه:
«العرب واليهود في التاريخ: حقائق تاريخية تظهرها المكتشفات الآثارية»
ثم جاء عمله الموسع:«مفصل العرب واليهود في التاريخ».وفي هذه الأعمال حاول أن يدرس تاريخ العرب واليهود ضمن السياق الأوسع لتاريخ الشرق الأدنى، وألا يعتمد على الرواية التوراتية وحدها بوصفها سجلًا تاريخيًا مكتملًا.وكان من القضايا التي اهتم بها تاريخ كنعان والسكان القدماء لفلسطين، والعلاقة بين الكنعانيين وغيرهم من الشعوب السامية القديمة، وكذلك التسلسل الزمني لظهور بني إسرائيل.ومن المنطلق الذي قدمه سوسة، فإن تاريخ فلسطين لا يبدأ مع بني إسرائيل، بل إن المنطقة كانت موطنًا لشعوب وحضارات أقدم، وفي مقدمتها الكنعانيون، وأن تاريخها يجب أن يُدرس ضمن تاريخ الشرق الأدنى القديم كله.وهذه نقطة أساسية؛ لأنها تفرق بين وجود شعب أو جماعة في مرحلة تاريخية معينة وبين الادعاء بأن المنطقة لم يكن لها تاريخ أو سكان قبل تلك الجماعة.
▪︎سوسة والباحثون الذين جاءوا بعده
من اللافت أن بعض المسائل التي ناقشها سوسة ظهرت لاحقًا بصورة مختلفة في أعمال عدد من علماء الآثار والمؤرخين الإسرائيليين والغربيين.ومن أبرزهم إسرائيل فنكلشتاين، عالم الآثار الإسرائيلي في جامعة تل أبيب، وزئيف هرتسوغ، عالم الآثار الإسرائيلي في الجامعة نفسها.وقد أعاد هؤلاء دراسة الأدلة الأثرية المتعلقة بالخروج، واحتلال كنعان، ونشوء إسرائيل القديمة، وشكل المملكة الموحدة في عصر داود وسليمان.لكن هناك نقطة زمنية لا ينبغي تجاهلها:
أحمد سوسة توفي عام 1982.لذلك لا يمكن القول إنه أخذ أفكاره من الأعمال المتأخرة لفنكلشتاين أو هرتسوغ. وإذا وجد تشابه بين بعض استنتاجاته واستنتاجات هؤلاء الباحثين اللاحقين، فإن المسألة تحتاج إلى مقارنة المصادر التي اعتمد عليها كل واحد منهم، وليس إلى افتراض التأثر أو النقل.
وهذا يجعل السؤال الأكثر أهمية هو:
من أين أخذ أحمد سوسة نفسه؟
وهنا ينبغي الرجوع إلى الهوامش وقائمة المراجع في الطبعات الأصلية لكتبه، ولا سيما «العرب واليهود في التاريخ»، بدل الاكتفاء بالمصادر التي تنقل عنه اليوم.
لماذا يستحق سوسة العودة إلى أعماله؟
ربما تكون أهم نقطة في سيرة أحمد سوسة أنه لم يكن مؤرخًا منعزلًا عن الواقع المادي الذي يدرسه.
كان مهندس ري، ومسّاحًا، وجغرافيًا، وباحثًا في المياه والأنهار، ثم مؤرخًا للحضارة.لقد قضى سنوات في دراسة الأرض نفسها: الأنهار والقنوات والمستوطنات والخرائط والموارد المائية. وبعد ذلك وظف هذا التكوين في دراسة التاريخ والحضارة.ولهذا فإن أعماله تستحق أن تُقرأ اليوم لا بوصفها «رواية عربية مقابل رواية توراتية»، بل بوصفها نتاج باحث متعدد الاختصاصات حاول أن يضع النصوص القديمة في مواجهة الجغرافيا والآثار والتاريخ والمصادر الخارجية.وفي الوقت نفسه، لا ينبغي التعامل مع جميع استنتاجاته باعتبارها حقائق نهائية؛ فالدراسات الأثرية والتاريخية تطورت كثيرًا منذ منتصف القرن العشرين، وبعض أطروحاته تحتاج إلى مراجعة في ضوء الاكتشافات والمناهج الحديثة.لكن قيمة سوسة التاريخية تبقى واضحة: لقد كان باحثًا عراقيًا بدأ من الهندسة والري والأرض، ثم انتقل إلى الجغرافيا والتاريخ والحضارة، وانتهى إلى طرح أسئلة نقدية حول الروايات التاريخية التي كانت تُعامل أحيانًا بوصفها حقائق غير قابلة للنقاش.
توفي الدكتور أحمد نسيم سوسة في بغداد عام 1982، تاركًا وراءه عشرات الكتب والتقارير والأطالس ومئات المقالات والأبحاث، وسيرة فكرية تجمع بين الهندسة والعلم والتاريخ والدين.
▪︎الخلاصة
قصة أحمد سوسة ليست ببساطة قصة «يهودي أسلم»، ولا قصة «مهندس أصبح مؤرخًا».
إنها قصة باحث بدأ من الأرض والماء والخرائط، ثم اتجه إلى دراسة الحضارات التي تركت آثارها على هذه الأرض، وأصبح من بين الذين حاولوا إخضاع الروايات التاريخية، بما فيها الروايات التوراتية، للمقارنة مع الأدلة الأثرية والجغرافية والتاريخية.
ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: هل كان سوسة يهوديًا أم مسلمًا؟
بل:ما الأدلة التي درسها؟ ومن هم العلماء الذين أخذ عنهم؟ وما الذي قاله بالفعل في كتبه؟ وهل تؤيد الاكتشافات الأثرية اللاحقة بعض استنتاجاته أم تدحضها؟
وهذه أسئلة يمكن الإجابة عنها بالوثائق والكتب الأصلية، لا بالانتماء الديني للباحث.
Hani alkheder

