س: ثمة مشاريع فلسفية جديدة تطلق اليوم في العالم العربي، لاسيما في منطقة الخليج، مدعومة بتمويل سخي وتحت لافتة “الانفتاح على الفلسفة”. كيف تقرأ هذه الظاهرة؟ وهل ترى نفسك جزءًا من هذا المسار أم خارجه؟ج:ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته بوصفه “نهضة فلسفية”، بل بوصفه سوء فهم عميق لطبيعة الفلسفة نفسها. ثمة اعتقاد ساذج —لكنه خطير— أن الفلسفة يمكن استيرادها عبر التمويل، أو بناؤها عبر التراكم الكمي للموسوعات، أو تصنيعها كمحتوى معرفي قابل للأرشفة والتبويب. كأن الفكر ينتج كما تنتج البنى التحتية بالميزانيات، والجداول الزمنية، والعقود. وهذا، في تقديري، قلب كامل لماهية الفلسفة.الفلسفة لا تبدأ حين نملك تعريفًا، بل حين ينهار التعريف. لا تبدأ حين نحكم القبض على المفهوم، بل حين يفلت منا. لهذا كانت الفلسفة، عند فريدريك نيتشه، فعل هدم للقيم قبل أن تكون بناءً لها، وكانت عند جيل دولوز خلقًا للمفاهيم لا جمعًا لها، وكانت عند مارتن هايدغر عودة إلى السؤال الذي يجعل كل إجابة ممكنة. لا أحد من هؤلاء الفلاسفة الكبار، كتب موسوعة ليؤسس أفقًا فلسفيًا، بل على العكس، كانوا جميعًا يكتبون ضد روح الموسوعة، ضد وهم الاكتمال، ضد فكرة أن المعرفة يمكن أن تحاط أو تغلق.الموسوعة، في أفضل حالاتها، هي جهاز حفظ. والفلسفة، في جوهرها، جهاز تخريب. الموسوعة تطمئن القارئ بأن كل شيء في مكانه. الفلسفة تقلق القارئ لأنها تظهر أن لا شيء في مكانه.ما ينتج اليوم تحت مسمى “المشاريع الفلسفية الممولة بتروليًا” هو، في معظمه، إعادة تدوير للمفاهيم داخل قوالب لغوية أنيقة. جهد تنظيمي، لا حدس فيه. أرشفة ذكية، لا قطيعة فيها. نحن أمام تضخم معرفي بلا توتر فكري. أمام وفرة في الشرح تقابلها ندرة في الاختراق. ولهذا أقولها بوضوح: يمكن لأي قارئ اليوم، بضغطة زر، أن يصل إلى تعريفات أدق وأغنى مما تقدمه هذه المشاريع. فما الذي تضيفه إذن؟ تضيف وهم الإنجاز، لا الإنجاز نفسه.لكن المشكلة الأعمق ليست في هذه المشاريع، بل في الخيال الذي يقف خلفها. خيال يظن أن الفلسفة يمكن أن تشترى، أو “تُسرّع”، أو تختصر في شكل موسوعي. وهذا خيال إداري مبتذل ومتقحل. خيال يرى في الفلسفة “قطاعًا” يمكن تطويره، كما نطور الجسور أو ناطحات السحاب. وهنا تكمن المفارقة: كلما ازداد الاستثمار في هذا الشكل من “الفلسفة”، ابتعدنا أكثر عن الفلسفة ذاتها.على مستوى شخصي، كنت قد رشحت للمشاركة في بعض هذه المشاريع، ورفضت رفضًا قاطعًا. ليس تعاليًا، بل لأنني أدرك أنني سأكون جزءًا من آلة تنتج معرفة بلا ضرورة. الفلسفة، بالنسبة لي، لا تمارس داخل جداول المحتوى، بل عند حدود التساؤل. لا تكتب لتملأ مجلدات لن يقرأها أحد، بل لتفتح أفقًا.لو كان هناك وعي حقيقي بما تحتاجه الفلسفة، لتم توجيه هذه الموارد إلى أماكن أخرى تمامًا:إلى ترجمة الأعمال الفلسفية المعاصرة الصعبة التي لا تجد طريقها إلى العربية.إلى خلق فضاءات حرة للكتابة والتجريب خارج الرقابة الأكاديمية والمؤسساتية.إلى دعم أفراد، لا مشاريع؛ حدوس، لا لجان.إلى تمويل الفشل نفسه، لأن الفلسفة الحقيقية تمر عبره.الفلسفة لا تبنى بالموسوعات، بل بالانقطاعات. لا تنمو بالتجميع، بل بالانفصال.وأمة لا تنتج حدسًا واحدًا حقيقيًا، لن تصبح أمة فلسفية مهما كتبت من مجلدات.ما ينفق اليوم ليس قليلًا، لكن ما يهدر بالفعل هو الفرصة.فرصة أن نفكر خارج القوالب، خارج وهم اللحاق، خارج الرغبة في إثبات أننا “نملك فلسفة”. لأن الفلسفة، ببساطة، لا تملك. بل تحدث. أو لا تحدث.وفي النهاية، لا يسعني إلا أن أقول: ما نراه اليوم ليس فلاسفة، بل موظفون في جهاز ثقافي كبير، يديرون المفاهيم كما تدار الملفات، ويسوقون الفلسفة كما تسوق منتجات الآيس كريم. وهذا برأيي أقصر الطرق لتحويل الفلسفة من مغامرة إلى بيزنس رخيص. ومن قلق وجودي إلى محتوى قابل للاستهلاك والتدوير.مثلما أن تجميع الفنانين لن يصنع فنًا، بل استعراضًا. كذلك فإن تجميع كل دكاترة الفلسفة المساكين لكتابة موسوعة لن يصنع فكرًا، بل صفحات مملوءة بهراء لن يقرأه أحد.. #الباحث شادي كسحو#مجلة ايليت فوتو ارت..


