هناك حقيقة في علم الأحياء لو تأملها الإنسان بهدوء فسوف يرى فيها شيئًا يتجاوز حدود التفسير المادي البسيط حين يبدأ تكوّن أي إنسان في اللحظة الأولى من وجوده لا يكون هناك قلب ولا دماغ ولا عين ولا كبد ولا أي عضو من الأعضاء التي نعرفهالا يوجد سوى خلية واحدة ثم تنقسم هذه الخلية إلى خلايا أخرى كل خلية من هذه الخلايا تحمل داخلها الشيفرة الوراثية نفسها تمامًا نفس الـ DNAنفس المعلومات نفس المخطط الكامل للكائن الحي كلها أن كل خلية في جسدك تحمل – حرفيًا – خطة بناء الجسد بأكمله مخطط القلب ومخطط الدماغ مخطط العيون مخطط كل عضو يمكن أن يتكوّن في هذا الجسد لكن هنا تظهر المفارقة العجيبة لو كانت المسألة مجرد جينات ومعلومات متشابهة لكان المتوقع أن تتصرف كل الخلايا بالطريقة نفسها لكن ما يحدث في الواقع شيء مختلف الجينات نفسها موجودة في كل خلية لكنها لا تعمل كلها بعض الجينات يتم تشغيلها وبعضها يتم إيقافها المذهل أن هذا لا يحدث عشوائيًا بل يحدث بدقة مذهلة بحسب موقع الخلية داخل الجسد خلية في موضع معين تعمل فيها مجموعة محددة من الجينات فتتحول إلى خلية قلب خلية أخرى تحمل الجينات نفسها لكنها في موضع مختلف تعمل فيها جينات أخرى فتتحول إلى خلية عصب أو جلد أو كبد نفس الجين نفس المعلومات لكن نتيجة مختلفة كليًا. هنا يبدأ السؤال الحقيقي كيف عرفت الخلية ما الذي يجب أن تصبح كيف عرفت أي الجينات يجب تشغيلها وأيها يجب تعطيله كيف عرفت موقعها داخل هذا البناء المعقد نحن هنا لا نتحدث عن مادة فقط بل عن شيء أعمق من المادة نحن نتحدث عن معلومة المعلومة بطبيعتها لا تفسر نفسها المعلومة دائمًا تشير إلى مصدر يضعها وينظمها فالكتاب يدل على كاتب البرنامج يدل على مبرمج والنظام يدل على عقل صمم فإذا كانت كل خلية في جسد الإنسان تحمل نظامًا معلوماتيًا هائلًا يحدد بدقة متى تعمل الجينات ومتى تصمت وأين تتحول الخلية إلى قلب وأين تصبح عينًا وأين تصبح عصبًا فالسؤال الذي لا يمكن الهروب منه هومن أين جاءت هذه المعلومة؟من الذي وضع هذه الخريطة التي تعرف فيها كل خلية مكانها ودورها؟كيف تتحرك مليارات الخلايا داخل الجسد وكأنها تعمل وفق خطة واحدة دقيقة لا تختل؟أي مصادفة عمياء يمكن أن تفسر هذا الكم الهائل من المعلومات والتنظيم؟وأي فوضى عشوائية يمكن أن تنتج نظامًا يعرف فيه كل جزء وظيفته وحدوده؟حين ينظر الإنسان بصدق إلى ما يحدث داخل جسده يدرك أنه أمام نظام يتجاوز حدود المادة الصماء نظام يحمل آثار الحكمة والتقدير ولهذا كان القرآن يوجه الإنسان إلى هذا الباب بالذات ليس فقط إلى النجوم البعيدة ولا إلى اتساع الكون إلى شيء أقرب من ذلك بكثير إلى نفسه إلى هذا الكون الصغير الذي يحمله في داخله﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾# مجلة العلوم# مجلة ايليت فوتو ارت.


