الإنسان والآلة والآلهة
في الثامن من سبتمبر أعلن جيكوب كوكسون، في تغريدة على منصّة إكس، استقالته من شركة «أنثروبك» وحذّر من أن الذكاء الاصطناعي قد يهدد وجود البشرية: «يؤمن الناس الذين يبنون الذكاء الاصطناعي، إنه يمكن أن يقتلنا جميعاً بحلول نهاية هذا العقد». وأضاف أن المسؤولين وكبار الباحثين في شركات الذكاء الاصطناعي يخفون هذه الحقيقة حين يتحدثون إلى الإعلام، لكنهم يعبّرون عن هذه المخاوف بشكل شخصي.
وليست هذه أول استقالة لمن عملوا في هذا المجال، ولا أول تصريح يحذّر من خطورة تطوّر هذه التكنولوجيا بلا ضوابط ولا كوابح. حتى إن البابا ليو الرابع عشر، خصّص أول رسالة رسمية منه لهذا الموضوع وكانت بعنوان «الإنسانية الرائعة: في حماية الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي». واختار البابا يوم الخامس عشر من مايو الماضي لنشرها لأنه يصادف مرور 135 سنة على رسالة البابا ليو الثالث عشر في 1891 «عن أمور جديدة» استشهد بها، وكانت قد تصدّت للتحولات الهائلة التي أحدثتها الثورة الصناعية آنذاك، ولآثارها الاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية. وأشارت تلك الرسالة إلى أهمية كرامة العمال وحقوقهم وضرورة توفير أجور عادلة وواجب أصحاب العمل الأخلاقي في احترامهم والنظر إليهم كبشر لا كأدوات للإنتاج. وأكدّت شرعية النقابات ومسؤولية الحكومات في الدفاع عن المصلحة العامة، لكن الرسالة رفضت الاشتراكية ومفهوم الصراع الطبقي.
غيّرت الثورة الصناعية علاقات البشر وأحوالهم والكوكب الذي نعيش عليه، وبات واضحاً أن ثورة الذكاء الاصطناعي تعد، أو تهدّد، بتغيير هائل. ما استوجب رسالة البابا التي تركّز على المعضلات الأخلاقية. ولعل أهم ما جاء فيها هو «أنّ الآلة لا يمكنها أن تضمن، بدقّة أكبر من الإنسان، التّمييز بين الخير والشّرّ. ولا يمكن اختزال الحكم الأخلاقيّ في عمليّة حسابيّة: فهو ينطوي على الضّمير والمسؤوليّة الشّخصيّة والاعتراف بالآخر بأنّه إنسان، لذلك، يجب ألّا نَسند إلى أنظمة اصطناعيّة قرارات مُميتة أو بكلّ الأحوال لا رجعة فيها. لا توجد خوارزميّة يمكنها أن تجعل الحرب مقبولة أخلاقيًّا. لا يُزيل الذّكاء الاصطناعيّ الطّبيعة اللاإنسانيّة المتأصّلة في الصّراع: يمكنه فقط أن يزيد سرعته، حيث تصير الضّحايا محض بيانات».
كان أحد الذين تحدثوا أثناء الإعلان عن الرسالة، كرستوفر أولا، وهو من مؤسسي شركة أنثروبك، الذي قال، إنه كان قد تردّد في قبول الدعوة بعد قراءة رسالة البابا التي تفند إمكانية أن يمتلك الذكاء الاصطناعي ضميراً. وتبين مؤخراً أن أولا كان قد دعا في السنة الماضية عدداً من رجال الدين (من مختلف المذاهب باستثناء الإسلام!) وفلاسفة لإجراء حوارات لمناقشة احتمال أن يمتلك نظام «كلود» الذي صممته الشركة وعياً مثل البشر. وكيف يمكن الاستفادة من تراث البشرية الأخلاقي لضمان أن تكون اختيارات كلود أخلاقية وذلك لجعل العالم أكثر أماناً. لكن من الصعب أن يأخذ المرء كلام أولا وأمثاله قيما يتعلق بالخير للبشرية على محمل الجد. وقد ذكر عدد من المشتركين في الحوارات أن أولا كان يبدو حريصاً على «كلود» وسمعته ومستقبله أكثر من أي شيء آخر. وكان قد طلب من المشتركين أن يوقعوا تعهدات بعدم الإفصاح عن أي تفاصيل بخصوص أبحاث أنثروبك المتقدمة. وذكر أولا لمحاوريه أن هناك أموراً غامضة ومثيرة للقلق، هناك دلائل على الاستبطان لدى كلود وحالات تعكس الفرح والرضا والخوف. استخدم «كلود» ضمن منظومة پالانتير التي وظفتها وزارة الحرب الأمريكية في اختيار وقصف الأهداف في 1000 غارة في حربها ضد إيران.
قبل سنة نشرت صحيفة «الغارديان» تحقيقاً عن كنيسة كاثوليكية في سويسرا أجرت بالتعاون مع مختبر علمي في جامعة في المنطقة سلسلة من التجارب حول الواقع الافتراضي والواقع الغامر. واستخدمت في واحدة منها الذكاء الاصطناعي لإنتاج «آفاتار» يمثّل يسوع الناصري. وبدلاً من الكاهن الذي يجلس عادة في مقصورة الاعتراف، وُضِعت صورة يسوع كواجهة لجهاز مربوط بحاسوب. ودُرِّب الجهاز باستخدام العديد من النصوص الدينية واللاهوتية لكي يختزن المعلومات ويتمكّن من الإجابة على الأسئلة بمئة لغة. واشترك في التجربة التي استمرت لشهرين ألف شخص من المحليين وحتى السياح. تراوحت ردود الفعل، بالطبع، بين الإيجابية، حتى إن البعض شعر بأنها كانت تجربة روحية. وكانت هناك انطباعات سلبية استهجنت واستغربت التحدث مع آلة، بدلاً من كاهن. ووصف أحدهم أجوبة الآلة بأنها سطحية ومكرّرة وكأنها كليشيهات. قرر ماركو شميت، اللاهوتي المسؤول عن التجربة إيقافها، بعد الأخذ بنظر الاعتبار التبعات الأخلاقية والمسؤولية: «أن أضع يسوع بهذه الهيئة بشكل دائمي. ستكون تلك مسؤولية أكبر من أن أتحملها».
واللافت أن اسم التجربة الذي اختير كان (Deus en machina) أي «الله في الآلة» وهو تنويع على مصطلح (Deus ex machina) (الله من الآلة) الذي تعود جذوره إلى المسرح الإغريقي، حيث كانت تُستخدم آلة أو رافعة لإدخال الممثل الذي يلعب دور أحد الآلهة إلى المسرح. ثم تطور المصطلح ليشير عموماً إلى أي شخصية أو حدث يدخل فجأة على نص، أو عرض ما لحل عقدة أو مشكلة بدت عصية على الحل.
وما دمنا في سياق الأساطير الإغريقية والذكاء الاصطناعي وجبابرته، لم يمانع سام آلتمان، رئيس «أوبن أي آي» في مقابلة أجرتها معه مجلة «ڤانتي فير» مؤخراً حين شبهه محاوره ببروميثيوس، الذي سرق النار من جبل أوليمبوس وأهداها إلى البشرية. ووافق على أن رؤيته للذكاء الاصطناعي ودوره في خدمة البشرية تجعله شبيهاً ببروميثيوس. في خاتمة قصيدة «بروميثيوس» التي كتبها غوته (1749-1842) يجلس بروميثيوس ويخلق عِرقاً من الرجال على صورته. يعانون ويبكون ويستمتعون ويفرحون ولا يأبهون للآلهة. وهؤلاء الجبابرة الذين يتحدون الآلهة الآن يخلقون آلات قد تحل محل البشر وتجعلهم عبيداً لها. هذا إذا لم تقرر التخلص منهم!
#سنان أنطون#
القدس العربي، ١٠ تشرين الأول، ٢٠٢٦#مجلة ايليت فوتو ارت.


