الإحساس الإبداعي في الفن التشكيلي


“الفنون والآداب هي الانبثاق الأخلاقي للحضارة هي الإشعاع الروحي للشعوب”  [جوزي كردوشي]

الفن التشكيلي استطاع أن يؤكد أهميته، وعلاقته بالتاريخ وبالموروث الانساني القديم، من خيال الفنان الرسام الذي إهتم، وقدم الأعمال الفنية التي تحدثت عن حقبات وأزمنه متفاوته عبر لوحات تشكيلية؛ وبالتعمق فيها، يستطيع المرء قراءتها من خلال تصور بصري مدهش يعتمد على توزيع ونقش اللوحة بحرفية جمالية. فهو بكل مذاهبه واتجاهاته وفروعه، له طعم خاص في الحياة، كما أان له نظرته إلى القضايا، وكيفية  معالجتها؛ حيث أنه فن يخاطب الوجدان عن طريق حاسة البصر، ليؤثر ويستولي على معالم الأرواح، ويجعلنا نتعاطف ونتباعد مع شخصياته من خلال الخطوط والألوان. الصورة تلعب دورًا هائلًا في حياة الإنسان، سواء كان ذلك من الناحية النفسية أو العاطفية. الصورة لغة لا تقل عن قيمة لغة الموسيقي وبقية الفنون.

وكما نعرف، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأ الاهتمام بالفنون البصرية يزدهر، ويبين المكانة العالية للفن، وأصبح يدرس، وبدأ الناس بزيارة المتاحف والتمتع بما فيها من لوحات ومنحوتات؛ وكذلك  التركيز على الكتب التي تبحث في الفن، عكس ما كان سابقًا في العصور القديمة، حيث كان يعتبر الفن ضربًا من السحر، أو تحضيرًا لأرواح غير مرئية، أو ما يقدمه  الكهنة أو الاطباء المشعوذون.

تتعدد أنواع الرسم من وجهات نظر علمية مختلفة. هناك الرسم التشكيلي، والرسم التجريدي، والرسم التخطيطي، والرسم التنقيطي، والرسم الزخرفي، والرسم التكعيبي؛ كذلك على الجدران، نجد الرسم بالألوان المائية، والرسم المنقوش، والرسم التصويري والجداري، وأيضًا الرسم على المناضد بطريقة التزويق بالألوان الزيتية والألوان الضوئية. على الورق، هناك الرسم بالألوان المائية والندى على النسيج، وعلى اللوحات الزيتية، وهناك الرسم بالزيت على السيراميك، وهناك رسومات بزخرفة الخزفيات مع الأكسيد والأصهار والسبك، وهناك فنون تشكيلية أخرى منها: فن الرسم الدقيق على المعدن أو العاج، ماء الفضة بأسلوب وطريقة الطباعة، وعامة كل التقنيات في فن النقش والتصوير لإنتاج الأعمال الفنية الفريدة، مثل الرسم أو التصفيف.

يقول وليم بليك: الشخص الذي لا يتخيل بسمات اقوى وأفضل، وبضوء أقوى وأفضل، مما تستطيع عينه الفانية أن ترى، لا يتخيل على الاطلاق. وفي كتاب الفن والشعور الإبداعي لغراهام كوليير يقول: هناك كتب جيدة تقدم الفنون البصرية عن طريق عرض تاريخ لمنجزات الانسان الفنية، وهي تعالج بصورة شاملة العمارة والنحت والرسم، وتبحث في المضامين السوسيولوجية والفنية والجمالية للأشياء المنتجة في سياقاتها التاريخية المتغيرة. ومن المعتاد أن يقدم هذا التيار من الصور، كما يشاهد من خلال عيني الباحث أو المؤرخ، وعلى الرغم من أننا نعترف بقيمة وأهمية تاريخ الفن كحقل دراسة؛ فإنه ليس فعالًا دائمًا في الإفصاح عن النكهة الحسية والنفسية بالأشكال الفنية. لهذا الغرض، لابد للمرء أن يكون حرًا ومتساهلًا إلى حد كاف لكي يتكون لديه تجاوب شخصي؛ أي لكي يصغي إلى أصوات بوق جهاز الرادار الداخلي، الذي يخبرنا بالوميض عبر نواقل ذهنية وانفعالية أننا نواجه صورة، رد الفعل الشخصي هذا طبيعي وغريزي، ويدل على أن هناك نقاطًا حساسة في الشعور تنتبه بالتجديد بواسطة الأشكال التي يصنعها الانسان. لرعاية هذه الطريقة في التوصل إلى اسرار الفن، ليس من الضروري الاعتماد على التعلم بمعناه الاكاديمي، أي تمثل حقائق ذات ارتباط تاريخي عن جانبين من جوانب الفعل الابداعي:

  • الجانب التشكيلي: اعطاء شكل ذي بعدين أو ثلاثة لمادة مطواعة ما، أكانت طلاء يدهن أو رخامًا ينحت لخلق الشكل الفني الضروري
  • الجانب التعبيري: الاكتشاف في، ومن خلال عملية تشكيل، الأشكال التي تجسد الأفكار والمشاعر الموجودة في حالة من الشعور المعمق.

وبالنسبة للشخص الذي يعالج مشكلة تشكيلية لا تفريق هناك بين هذين الجانبين من الفعل. اذ يبدوان بأنهما يعملان في نفس الوقت ولكن انفراديًا: تشكيل واكتشاف/اكتشاف وتشكيل، ويضيع الترتيب والأسبقية ويصبحان منصهرين في الفعل. إن هذا تناقض ظاهري، ولكن التناقضات الظاهرية توجد بوفرة حين تحاول اللغة والمنطق وصف عمليات الفن والمخيلة.

يضيف غراهام في كتابه المهم: بأنه يمكن للشكل المذكور التفكير بالنحات أو الرسام كجهاز ارسال ويقينًا كأجهزة استقبال، ولكن يجب أن نتذكر أن وسيلة هذا الاتصال هي مادة حسية، مشكلة بطريقة ذات مغزى، في مجموعة خاصة من الظروف الواعية. إن صلب القضية والجواب الأول المسؤول بالنسبة للفن هو:

أن الصورة المبدعة هي تصريح يجسد استيعاب الفنان للواقع، وهو يتعرض لخبرة أحداث العالم في شعوره الخاص، إنها تمثل صيغة تشكيلية لإدراك الحياة والعالم تعادل في أهميتها الصيغة اللغوية (بواسطة الكلمات) أو الصيغة الرياضية (بواسطة القياس والعدد)، والفنون البصرية تتضمن الحياة التخيلية الكاملة للإنسان نفسه وهو يواجه الحقائق الخارجية للعالم نفسه. وإذا كانت الصورة الناتجة صورة جيدة؛ فإنها تعمل كجسر بين قلب الفنان وعقله، وقلب المشاهد وعقله، وبذلك يكتسب المشاهد بصائر جديدة في طبيعة الاشياء.

إن إعادة تعلم لغة التصريح التشكيلي، إذا كان للصور ان تنال وثوقتها العتيقة، وقدرتها على أن تحركنا، وتبقي الحقيقة؛ إنه من الممكن لنحات أن يرسل التجارب والمواقف بواسطة حجر منحوت، الرسام بواسطة ترتيب ملون، والمهندس المعماري بواسطة تصميم البيئات المساحية، وأعتبر أن هذه الأمثلة الثلاثة تمثل أكثر انواع صنع الصور أهمية. هذه سطور بسيطة من مقدمة الكتاب

في هذا الكتاب (الفن والشعور الابداعي)، يقول الكاتب أن الصورة تعطي دائمًا درجة من الفصاحة الشكلية في جانبها التشكيلي، ولذا فعلينا أن نلاحظ أن الشكل وحده يستطيع التأثير فينا، ولكن من المستحيل فصل الفصاحة التشكيلية، أو التشكيلية لعمل من الاعمال، عن طبيعة محتواه التخيلي. إذ أن الشكل ما هو سوى مظهر يستحوذ على المحتوى كما هو متجسد بشكل ملموس في الصورة، إنه  المظهر الذي به نتعرف على الشخص، الفنان، الموجود في  العمل، إنه مظهر مزاجه، رؤياه التنبؤية، بصائره الحدسية، آماله وقلقه وأفراحه.

في الصورة (العمل الفني) ابحث عن، احب الشخص، الفنان. لذا فرغم أنه يمكن لنا أن نستجيب للشكل على المستوى المجرد لفصاحته التشكيلية فإن الفصاحة النفسية التي يبديها في الكشف عن حياة وشعور الشخص الذي جاء به إلى حيز الوجود مرتبطة بشكل لا خلاص منه بإيقاعاته التشكيلية؛ فالعمل الفني يبث على موجتين الحسية والشكلية، والموجة التخيلية والنفسية. بإمكاننا إدارة المفتاح إلى احداهما أو إلى الاخرى، ولكن من الصعب جدًا إدارته إلى واحدة دون الأخرى. يستشهد الكاتب بأعمال لكبار الرسامين كبيكاسو ولوحاته، فبعضها يكشف مظهرًا لا يمكن لإيقاعاته إلا أن تعكس حقيقة تشكيلية جوهرية من حقائق الطبيعة.

# مجلة إيليت فوتو آرت 

أخر المقالات

منكم وإليكم