الأميرة كارابو». وقصتها الغريبة.

تخيّل أن تستيقظ ذات صباح في قرية إنجليزية هادئة، فتجد امرأة غريبة تقف أمام باب أحد المنازل، ترتدي ملابس لا تشبه ملابس أهل بلدك، وتتحدث بلغة لا يفهمها أحد. ثم يأتي شخص ويخبرك أنها ليست متسولة ولا هاربة… بل أميرة أجنبية اختـ ـطفها القر.اصنة، وفرّ.ت منهم وقفزت إلى البحر حتى وصلت إلى شواطئ إنجلترا.

الغريب أن الجميع صدّقها.

بل إن العلماء والمسؤولين والصحفيين انشغلوا بقصتها، وأقيمت لها الحفلات، ورُسمت صورتها، وعوملت كأنها شخصية ملكية حقيقية. ولم يكن أحد يعرف أن «الأميرة» التي حيّرت إنجلترا كانت تخفي سراً بسيطاً جداً: لم تكن أميرة على الإطلاق.

في ربيع عام 1817، ظهرت امرأة غريبة الهيئة فجأة في قرية ألموندسبري بالقرب من بريستول في إنجلترا. كانت ترتدي ملابس غير مألوفة وعمامة، ولا تحمل معها سوى بعض الصابون وعدد قليل من العملات. بدأت تطرق أبواب المنازل، وعندما يسألها السكان عن هويتها، كانت تتحدث بلغة لم يفهمها أحد، ولا تكرر سوى كلمة «كارابو» وهي تشير إلى نفسها.

حاول سكان القرية معرفة حقيقتها، فأُخذت إلى عدد من المسؤولين، لكن أحداً لم يتمكن من فهم لغتها. إلى أن ظهر بحّار برتغالي يُدعى مانويل إينيسو، وقال إنه يستطيع فهم ما تتحدث به، مدعياً أنها أميرة إندونيسية تُدعى كارابو، وأنها تنحدر من جزيرة اسمها «جافاسو».

وبحسب الرواية التي نقلها البحّار، كانت الأميرة قد اختُطـ ـفت على يد قرا.صنة واحتُـ ـجزت على متن سفينتهم، لكنها تمكنت من الفرار بالقفز إلى البحر، قبل أن تصل إلى السواحل القريبة من بريستول.

بدت القصة غريبة، لكنها كانت مقنعة بما يكفي لكي يصدقها كثيرون. وسرعان ما تحولت المرأة إلى شخصية مشهورة في المنطقة، وأخذ السكان يعاملونها كأميرة حقيقية. كانت تؤدي رقصات اعتقدوا أنها إندونيسية، وتصلي لإله كانت تسميه «الله تالا»، كما جلست لرسم صورتها، وأقيم لها حفل في مدينة باث.

وكانت تتصرف بطريقة زادت من غموض شخصيتها؛ إذ قيل إنها لا تأكل إلا الخضروات ولا تشرب سوى الشاي، كما ادعت إجادتها الرما.ية والمبا.رزة، بل وروت أنها تستخدم سيـ ـفاً مغمو.س الطرف بالسـ ـم.

حتى العلماء اهتموا بقصتها، وطلبوا منها كتابة بعض الكلمات بلغتها الغريبة وإرسالها إلى أكسفورد لدراستها. وهكذا أصبحت «الأميرة كارابو» لغزاً حقيقياً يشغل الناس في أنحاء المنطقة.

لكن كل هذه الشهرة كانت مبنية على كذ.بة، وكانت تلك الكذ.بة على وشك الانهيار بسبب شيء بسيط جداً… صحيفة.

في يونيو من العام نفسه، كانت صاحبة منزل تُدعى السيدة نيل تقرأ إحدى الصحف، عندما شاهدت قصة الأميرة كارابو. وفوراً أدركت الحقيقة، فقد كانت قد أجّرت غرفة لهذه المرأة قبل أشهر، في الوقت الذي كانت فيه «الأميرة» تدّعي أنها أسيرة لدى القراصنة.

كانت تعرفها باسمها الحقيقي: ماري بيكر.

واجهت السيدة نيل المرأة، وعندها انهارت القصة بالكامل. واعترفت انها ابنة اسكافي فقير فبدلاً من اللغة الغريبة، تحدثت ماري بيكر بالإنجليزية بطلاقة، واعترفت بأنها اخـ ـتلقت شخصية الأميرة وقصة الاختطا.ف والجزيرة المز.عومة من البداية، كما تبين أن البحّار البرتغالي كان شريكاً لها في الخد.عة.

وعندما فحص علماء أكسفورد الكتابات التي قدمتها، اكتشفوا أنها مجرد لغة مختلقة لا معنى حقيقياً لها، كما لم يجد أحد أي دليل على وجود جزيرة تُدعى جافاسو.

لكن المفاجأة الأكبر لم تكن في انكشاف الخدعة، بل فيما حدث بعدها.

فبدلاً من أن ينقلب سكان القرية على ماري بيكر أو يعاقبو.ها، تعاطفوا معها وساعدوها في جمع المال للسفر إلى الولايات المتحدة. وهناك واصلت سرد قصص مغامراتها، حتى إن إحدى الروايات زعمت أنها التقت نابليون بونابرت بعد أن أوصلتها عاصفة بحرية إلى جزيرة سانت هيلانة، حيث كان يعيش منفياً.

عادت ماري بيكر إلى إنجلترا عام 1824، وحاولت العمل في مجال التمثيل، لكنها لم تنجح. ثم تزوجت وبدأت لاحقاً تجارة غريبة، إذ أصبحت تبيع العَلَق الطبي لأحد المستشفيات المحلية.

ورغم أن قصتها تحولت إلى واحدة من أشهر الخدع في إنجلترا خلال القرن التاسع عشر، فإن ماري بيكر عاشت لعقود بعد انكشاف الحقيقة، ومع ذلك لم تكشف أبداً لماذا فعلت ذلك.

لماذا اخترعت أميرة من جزيرة غير موجودة؟ ولماذا خاطرَت بأن تنكشف أمام الجميع؟ وهل كانت تبحث عن المال، أم الشهرة، أم أنها أرادت ببساطة أن تعيش حياة مختلفة عن حياتها الحقيقية؟

لا أحد يعرف.

والمفارقة أن المرأة التي دخلت قرية إنجليزية غريبة وهي تدّعي أنها أميرة مجهولة، خرجت منها بعد أشهر وهي بالفعل شخصية لا تُنسى في التاريخ.

#الأميرة #تاريخ #قصص_غريبة #قصص_تاريخية #أحداث_تاريخية #غرائب_التاريخ #هل_تعلم#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم