عام 1501، رست السفينة الملكية التي تحمل الأميرة الإسبانية “كاثرين” على شواطئ إنجلترا الضبابية، حاملة معها دماء أشرس ملوك أوروبا، “إيزابيلا” و”فرناندو”. جاءت الفتاة ذات الشعر البني الفاتح والملامح الدقيقة لتتمم تحالفاً سياسياً كبيراً عبر زواجها من “آرثر”، أمير ويلز ووريث عرش إنجلترا. عاشت العروس الشابة حلماً ملكياً قصيراً انتهى بوفاة آرثر المفاجئة بعد أشهر قليلة، لتجد نفسها أرملة في السادسة عشرة من عمرها، وحيدة في بلاد غريبة، وعالقة لسبع سنوات عجاف بين مطرقة والدها الذي رفض دفع بقية مهرها، وسندان الملك الإنجليزي البخيل .انقشعت الغيوم فجأة عام 1509، حين اعتلى الشاب المفعم بالحياة “هنري الثامن” العرش، ليتخذ قراره الأول والنبيل بالزواج من أرملة أخيه، معتبراً إياها خياره العاطفي والسياسي الأمثل. شهدت السنوات الأولى من زواجهما انسجاماً نادراً. فقد كانا ثنائياً ذهبيياً حكم إنجلترا بتناغم، وتجلى معدن كاثرين الحقيقي عام 1513 حين غاب هنري في حملة عسكرية بفرنسا، فتولت هي الوصاية على العرش، في فترة كانت فيها الجيوش الإنجليزية تحارب لصد الغزو الاسكتلندي.ومع مرور الزمن، خيم ظل ثقيل على القصر تمثل في غياب الوريث الذكر. توالت الولادات والمآسي، ومات الأطفال في المهد أو ولدوا أمواتاً، ولم ينجُ منهم سوى الأميرة “ماري”. تحول قلق الملك هنري إلى هوس ديني وسياسي، إذ رأى في خلو المهد عقاباً إلهياً على زواجه من امرأة أخيه، وبدأت عين الملك تزيغ نحو الشابة “آن بولين”، باحثاً عن مخرج قانوني ينهي زواجه الأول، ومستنداً إلى نص توراتي يبرر بطلان الزواج.بلغت الدراما ذروتها في قاعة محكمة “بلاكفرايرز” عام 1529، حيث اجتمع الكرادلة والأساقفة للبت في شرعية الزواج. وفي مشهد خلدته الذاكرة التاريخية، تجاهلت كاثرين منصة القضاة تماماً، وسارت بخطى ثابتة لتجثو أمام الملك هنري مباشرة. خاطبته بصوت جمع بين الانكسار والكبرياء، مذكرة إياه بعشرين عاماً من الوفاء والطاعة، وأقسمت أمامه وأمام الله أنها جاءت إلى فراشه عذراء لم يمسسها أخوه الراحل قط، واضعة شرعية حكم المحكمة والملك على المحك.تسبب صمودها في إفشال المحاكمة، ودفع هنري لاتخاذ قراره الجذري بكسر العلاقة مع كنيسة روما وتأسيس كنيسة إنجلترا لإتمام طلاقه بالقوة. عقب طردها من البلاط الملكي في عام 1531، وجدت كاثرين أراغون نفسها تواجه قدراً قاسياً فرضته رغبات هنري الثامن الجامحة. فقد نُقلت قسراً من قصر إلى آخر، متنقلة بين “ذا مور” و”أمبثيل” و”باكدن”، لتعيش حياة أشبه بالإقامة الجبرية بعيداً عن أضواء السلطة التي كانت يوماً سيدتها. وواجهت كاثرين محاولات الملك المستميتة لتجريدها من لقبها، لكنها رفضت بشموخ ابنة الملوك الإسبان، حيث أصرت على التعامل مع الجميع بصفتها الملكة الشرعية الوحيدة لإنجلترا، رافضةً لقب “الأميرة الأرملة” الذي حاول هنري إلصاقه بها، ومعتبرة أن قبولها به يعني الإقرار ببطلان زواج استمر عشرين عاماً، والاعتراف بـ “آن بولين” ملكةً، وهو ما اعتبرته خيانة لضميرها ودينها وحق ابنتها.استخدم هنري أقسى أسلحته لكسر إرادتها حين حرمها من رؤية ابنتها الوحيدة “ماري”، جاعلاً اللقاء بين الأم وابنتها مشروطاً باعتراف كاثرين ببطلان الزواج. ورغم لوعة الفراق التي أدمت قلبها، اختارت كاثرين التمسك بشرعية زواجها ومستقبل ابنتها كوارثة للعرش على حساب عاطفتها، مفضلة الموت في عزلة على تقديم تنازل يمس شرفها. استقر بها المطاف أخيراً في قلعة “كيمبولتون” عام 1534، وهناك حولت غرفتها الصغيرة إلى صومعة للتعبد. فارتدت الجبّة الخشنة تحت ثيابها، وصامت باستمرار، وقضت أيامها ولياليها في الصلاة، محاطة بقلة من الخدم الأوفياء الذين استمروا في مخاطبتها بلقب “جلالة الملكة”.وفي مطلع يناير 1536، تمكن المرض من جسدها المنهك، وهو مرض شخص لاحقاً بوجود “ورم أسود” في قلبها، مما يرجح إصابتها بالسرطان. وحين استشعرت دنو أجلها، أملت رسالتها الأخيرة إلى الملك هنري، تلك الوثيقة التي عكست نبل روحها. إذ تجاوزت فيها كل الآلام التي سببها لها، وأكدت له عفوها له، وموقعةً بإصرار أبدي: “كاثرين، الملكة”.لفظت كاثرين أنفاسها الأخيرة في السابع من يناير، ليعم الحزن أرجاء إنجلترا الشعبية التي طالما أحبت “الملكة الصالحة”. ووري جثمانها الثرى في كاتدرائية “بيتربورو” بمراسم بسيطة تليق بأميرة أرملة حسب أوامر الملك، لكن التاريخ والشعب خلدوا ذكراها كملكة حقيقية صمدت أمام العواصف، وحفظت كرامتها حتى اللحظة التي توقف فيها قلبها عن الخفقان. # حقبة تاريخ # مجلة ايليت فوتو ارت.


