“الأم ماري” .. موسيقى ووجعٌ وذات محترقة بالذكريات

آن هاثاواي وميكايلا كويل في “الأم ماري” (IMDb)

  • عبد الكريم القادري

تستند الممثلة الأميركية آن هاثواي على مسار سينمائي مهم، بدءاً من جهدها ممثلةً تعرف جيداً كيفية اختيارها وتجسيدها أدوارها بعناية فائقة، تلك العادية التي تستطيع أي ممثلة محترفة أن تؤدّيها، أو تلك المُعقّدة والمركّبة، ذات المحمول العاطفي المنفجر، التي تتطلّب جهداً استثنائياً، إذ تتقاطع فيها الانفعالات النفسية والجسدية، فتفرز كمية رهيبة من المشاعر، ويتفاعل معها المتلقي إلى درجة التوحد. هذا حدث في “الشيطان يرتدي برادا” (2006) لديفيد فرانكل، أو عندما أدّت دور فانتين في “البؤساء” (2012) لتوم هوبر، الذي بفضله فازت بجائزة أوسكار أفضل ممثلة مساعدة، في النسخة الـ85 (24 فبراير/شباط 2013). لائحة أعمالها تتضمّن أدواراً مختلفة ومتنوّعة وكثيرة، لا يمكن حصرها.

للممثلة الموهوبة عمل موسيقي درامي جديد، “الأم ماري” (2026)، للأميركي ديفيد لوري: نجمة البوب الأم ماري ترجع إلى الساحة بعد غياب، تخلّله جمود وكآبة. العودة مرتبطة بتحضيرات تجريها لخلق جوّ أفضل، بهدف تقديم حفل ضخم مثالي يليق بها، ما جعلها تعيد التواصل مع مُصمّمة الأزياء سام أنسلَم (ميكايلا كويل)، الشريكة الأساسية في نجاحاتها السابقة، منذ بداية مسيرتها. لكنّ هذا اللقاء يفتح جراحاً قديمة بينهما، ويعيد إحياء علاقة معقّدة وغير مفهومة، وضعها الزمن جانباً من دون التطرّق إلى مسبّباتها، فتداخلت بعدها ذكريات مهنية وشخصية، ما أوجد توتراً صنعته الأحداث المتصاعدة، خاصةً أن هناك ضغوطاً كبيرة تحييها منطلقات الشهرة والأضواء الساطعة، التي تصاحب هذه العودة المرتقبة.

من هنا، تتواتر الأحزان تباعاً، مُفرزة مَشاهد من الماضي، وممّا يكتنفه من مواقف ومبادئ متنوّعة، تراوح بين الإبداع والهوية والنفس البشرية، وما تفرزه من سلوك مضطرب وغير مفهوم أحياناً، إذ تتقاطع معه هالات ميتافيزيقية غير مفهومة للبعض، لكنها مُفسّرة لمن عاش تلك الصراعات، كالأم ماري وسام.

انتصر المخرج وكاتب السيناريو ديفيد لوري للجانب الفكري، بالنقاش المستمر بين مُغنّية البوب ومُصمّمة الأزياء. اختلفت المواضيع، لكنها سارت في سياق واحد تقريباً: مفهوم الصداقة والعلاقات الإنسانية والشعور بالآخر، وأيضاً حرقة التخلّي والابتعاد، ما أغرق فيلمه في الرمزية، التي تتطلّب جانباً معرفياً مُتقدّماً لفهمها بطريقة معقولة. هذا أبعد “الأم ماري” عن شريحة واسعة من الجمهور، أي أولئك الذين يبحثون عن التلقّي الموسيقي، فالفيلم يحمل تصنيفها ومنطلقاتها ومفهومها، مع أنها موجودة واقعاً، أو كما ينبغي. في المقابل، ركّز على أهمية التكامل بين شخصية المغنية ـ المؤدّية، مع ما ترتديه في العروض، لأنها معطيات وإن كانت شكلية، فإنها تعكس الشخصية والأسلوب، وما يرنو إليه المؤدّي، أي ما تبحث عنه الأم ماري، ليعكس ما تصبو إليه في حفلها.

رغم حضور الجانب الفكري الطاغي، لم يُهمل ديفيد لوري الجانب الفني، بل كان خلّاقاً فيه، مُظهراً تلاعباً واضحاً باستعماله موجودات المشهد الواحد بصفتها مفاتيح، سافر عبرها إلى ماضي كلّ شخصية: فتح باب المنزل الذي يوصل إلى حفل أو ذكرى، مع إدماج شخصيات من الماضي بالحاضر مباشرة، وعكسها على مرآة أو جدار أو حوض استحمام.

هذه مغامرة فنية مهمة، منحت الفيلم هيبته السينمائية، وعكست موهبة مخرجه في خلق مساحات بوح توازي المنطوق به. حتى إنه تخلّى عن المشاهد الخارجية، وركّز فقط على الداخلية، رابطاً إياها بامتدادات معنوية توصل إلى النفس البشرية وتقلّباتها، وإلى الحياة الميتافيزيقية التي يصعب تفسيرها بكلمات أو صُور عابرة.

رغم غياب القصص الثانوية، التي يمكن أن تأسر القصة الرئيسية، وعدم اعتماد لوري على المشاهد الخارجية، مرّ الزمن بسلاسة، ولم تظهر مشكلات كان يمكنها خلق الملل السريع. يعود هذا إلى سرعة النقاشات وإفرازاتها المعرفية، وبراعة آن هاثواي في فهم أبعاد الشخصية، والتعاطي معها بجدّية مطلوبة، التي (الجدية) يمكن قراءتها وفهمها بسهولة، بملاحظة مدى التحامها مع الدور. في هذه الحالة، خرجت هاثواي منتصرة كعادتها، إذ عكست بملامحها القوية والمتفردة الحزن المتقدّم والجرح الغائر والفوضى الكبيرة التي عاشتها وتعيشها مُغنّية البوب الأم ماري. أي إنها فهمت جيداً أبعاد الشخصية، وما يمكن أن تمثّله لمن تحمل على عاتقها الهموم والجراح نفسها، فرفعت الفيلم إلى مستوى متقدّم، وأخرجته من الرتابة المفترضة إلى حالة متقدّمة من التركيز. وهذا ما كان ليحدث لو جرى تخاذلٌ وتراخٍ من ميكايلا كويل، التي تعاطت هي الأخرى مع الدور بمسؤولية وجدّية، فتمّ إفراز ثنائية فنية مهمّة، أثّرت على الجمالية الكلّية للفيلم، وأعطته بُعداً مُتقدّماً.

“الأم ماري” جهد سينمائي معقول ومختلف، ذهب إلى مناطق مجهولة في صناعة الموسيقى، وفكّكها وفقاً لأسس معرفية تجلّت بوضوح في قِيمٍ ذات بُعد فلسفي، خاصة تلك التي أفرزتها الذات المحترقة، والذاكرة الموجوعة، والتحوّلات الداخلية للأفراد، انطلاقاً من الجانبين الإبداعي والفني. يبقى “الأم ماري” فيلماً يُراهن على ذائقة خاصة، لا تُغري الجميع، بل تستدعي متلقّياً قادراً على التقاط إشاراته الرمزية والتماهي مع بطء إيقاعه المقصود.

ومع ذلك، يُحسب هذا الخيارُ له لا عليه، وإن بدا إقصائياً أحياناً، إذ يُرسّخ تجربة سينمائية تبحث عن معنى يتجاوز الاستهلاك السريع، ويضع الأداء، في موقع القلب من المعادلة، حيث تتحوّل الشخصية إلى مرآة لأسئلة أكبر تتعلّق بالهوية والذاكرة والوجود.

******
المصادر
العربي الجديد
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم