في عمرٍ أصغر بكثير، قبل أحد عشر عامًا، كتبتُ مقالًا بعنوان “دور الفنان في صناعة الحضارة”.
لم أكن حينها أمتلك التجربة، ولا العمق، لكنني كنت أمتلّك شيئًا لا يقل أهمية: الحماس، والإيمان.
اليوم، وأنا أُقلّب مذكراتي القديمة، توقّفت عند هذا العنوان طويلًا. ابتسمت. ليس سخريةً من الفتاة التي كتبته، بل تقديرًا لها. لأنها رغم بساطتها كانت ترى شيئًا حقيقيًا.
لكن الحقيقة التي أراها اليوم… مختلفة.
لم يعد الفنان في نظري ذلك الشخص الذي “يُنتج الجمال” أو “يعبّر عن المجتمع” فقط.
الفنان اليوم، كما أراه، هو إنسان يعيش في حالة وعي مستمر، يرى ما وراء الظاهر، ويشكّك فيما يعتبره الآخرون مسلّمات.
قبل أحد عشر عامًا، كنت أكتب عن الفنان كاستثناء.
اليوم، أراه كضرورة.
الفنان ليس ترفًا حضاريًا، بل أحد أدوات توازن الإنسان.
هو الذي يعيد طرح الأسئلة حين تتوقف المجتمعات عن التساؤل، ويعيد تعريف المعنى حين تفقد الكلمات قيمتها.
لكن الفرق الحقيقي ليس في تعريف الفنان… بل في فهمي أنا.
كنت أظن أن العمق يُكتب. واليوم أدركت أنه يُعاش.
كنت أبحث عن إجابات كبيرة، واليوم أرتاح للأسئلة الصادقة.
ولو كتبت اليوم نفس العنوان – “دور الفنان في صناعة الحضارة” – فلن أكتب عن المجتمع بقدر ما سأكتب عن الإنسان، ولن أبحث عن دور الفنان في الخارج،
بل عن حضوره في الداخل.
لأن الحضارة… لا تبدأ من المدن، بل من الوعي.


