ابن سينا وتفسيره الفلسفي ،للمعجزة والنبوة.

التفسير الفلسفي للمعجزة والنبوة عند ابن سينا كيف يمكن للعقل البشري أن يخرق قوانين الفيزياء؟ وهل المعجزة كسر إلهي لقوانين الطبيعة، أم أنها أعلى درجات الاستغلال البشري لهذه القوانين ذاتها؟ عبر تاريخ الفكر الإنساني، ظلت ظاهرة “المعجزة” و”النبوة” محصورة في التفسيرات اللاهوتية البحتة، حتى برزت مقاربة فلسفية فريدة سعت إلى سحب هذه الظواهر من دائرة الغموض الغيبي، ووضعها تحت مجهر التحليل السيكولوجي والفيزيائي.في فلسفة ابن سينا، تُفسر النبوة باعتبارها أعلى درجات التطور في “النفس الناطقة” البشرية. يرى ابن سينا أن النفس ليست جسماً، ولا تنقسم بانقسامه، وهي تمتلك بطبيعتها قدرة على التأثير في المادة. وكما أن نفس الإنسان العادي تؤثر في جسده المباشر (كأن يحمر خجلاً أو يرتجف خوفاً بناءً على فكرة مجردة)، فإن النفس القدسية (نفس النبي أو العارف) تمتلك طاقة استثنائية تتجاوز حدود جسدها الفردي لتؤثر في “عالم العناصر” أو الأجرام السفلية المحيطة بها.بناءً على هذه القاعدة، يطرح ابن سينا تفسيره الفلسفي للمعجزة. إتيان العارف بما يخرق العادة لا يُعد تحطيماً للفيزياء، بل هو ناتج عن أن المادة في العالم السفلي “قابلة” و”مطيعة” لتأثير النفوس القوية. إذا كانت النفس قوية وذات صفاء استثنائي، فإنها تُحدث تغييرات في العالم المادي بقوة الإرادة والتركيز، فيصير هذا الصفاء والذكاء سبباً في بلوغ أقصى درجات التأثير المادي، وهو ما يُعرف بالمعجزة عند الأنبياء. وحتى إذا استُخدمت هذه القوة السيكولوجية والفيزيائية في الشر، فإنها تُفسر قدرات “الساحر”.أما النبوة ذاتها، فيقرر ابن سينا ضرورتها من منطلق اجتماعي وحيوي بحت. إذ يرى أن حاجة المجتمع الإنساني إلى نبي يشرع القوانين ويسن العدل، أشد وأكثر إلحاحاً من حاجة الإنسان بيولوجياً إلى إنبات الشعر على حاجبيه أو تقعير أخمص قدميه. العناية الكونية التي وفرت للإنسان تفاصيل جسدية ثانوية لضمان بقائه، لا يمكن أن تهمل إيجاد إنسان بخصائص استثنائية ينقذ المجتمع من التوحش. ومن هنا، وجب أن يخاطب النبي الجماهير بالرموز والأمثلة المحسوسة عن الجنة والنار، لأن العقل الجماهيري لا يستوعب الحقائق الفلسفية المجردة.تقف هذه الرؤية الفلسفية في تناقض حاد مع التفسير اللاهوتي الأرثوذكسي، وتحديداً مدرسة المتكلمين من الأشاعرة (وعلى رأسهم الإمام الغزالي). يرفض المتكلمون رفضاً قاطعاً التفسير السيكولوجي/الطبيعي للمعجزة، ويرون أن المعجزة هي انقطاع مباشر وصريح لقوانين الطبيعة بتدخل من الإرادة الإلهية الحرة، وليست نابعة من “قوة نفسية” كامنة في ذات النبي أو قدرة فيزيائية على تحريك المادة. بالنسبة للمتكلمين، إرجاع المعجزة إلى قوى النفس يجعلها ظاهرة طبيعية متقدمة، مما يفرغها من محتواها الإلهي المباشر.#فلسفة_الدين #ابن_سينا #الفيزياء_وما_وراء_الطبيعة#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم