ابتعاد القراء عن الكتب الرومنسية الرقيقة ،هل هو اشارة لتحولات مجتمعية ،ام حالة عابرة.

لماذا ملّ القرّاء الكذب الجميل؟

جودت هوشيار

سألتُ صاحبَ دار نشر عربية مرموقة:

– ما هي الكتب الأكثر مبيعاً في العالم العربي؟

أطرق قليلاً، ثم رفع رأسه وقال، وكأنه يستعرض أمامه أرقاماً يعرفها عن ظهر قلب:

– الكتب الدينية أولاً، ثم المذكرات الشخصية والسير الذاتية، ثم الروايات، فالكتب التاريخية.

قلتُ مستغرباً:

– والشعر؟

ابتسم ابتسامة خافتة وقال:

– لا يزال في ذيل القائمة.

ولم يكن جوابه مفاجئاً بقدر ما كان مؤلماً. فالأمة التي كانت تحفظ الشعر عن ظهر قلب، وتتداول أبياته في الأسواق والمجالس، أصبح ديوانها اليوم أقل الكتب حضوراً على رفوف المكتبات.

وإذا انتقلنا إلى الغرب، فلن نجد اختلافاً جذرياً في المشهد. فالقوائم هناك تضم أيضاً المذكرات الشخصية، والسير الذاتية، والروايات، والكتب التاريخية، وإن كانت الكتب الدينية لا تتصدر المبيعات كما هو الحال في العالم العربي.

لكن اللافت أن المذكرات والسير الذاتية أصبحت، في كثير من البلدان، تنافس الرواية بقوة، بل تتقدم عليها في أحيان كثيرة. وليس ذلك لأن الناس فقدوا شغفهم بالأدب، بل لأنهم أصبحوا أكثر تعطشاً إلى الحقيقة.

لقد عاش الإنسان المعاصر زمناً طويلاً وسط سيل لا ينقطع من الخيال؛ روايات، وأفلام، ومسلسلات، ومنصات رقمية، وعوالم افتراضية، حتى بات الواقع نفسه يبدو أحياناً أقل إثارة من الخيال. ومع ذلك، حدثت مفارقة لافتة: فكلما ازدادت كمية الخيال، ازداد تعطش الناس إلى ما يظنون أنه الحقيقة.

إن القارئ اليوم يريد أن يعرف كيف عاش الآخرون فعلاً، لا كيف تخيلهم الروائي. يريد أن يقرأ كيف صعد إنسان من الفقر إلى الشهرة، وكيف انهزم سياسي ثم عاد، وكيف واجه عالم أو فنان أو رياضي لحظات الانكسار والنجاح. إنه يبحث عن التجربة الإنسانية قبل أن يبحث عن الحبكة الأدبية.

ولا يعني ذلك أن كل ما يُكتب في المذكرات حقيقة كاملة. فكاتب السيرة يختار ما يروي، ويحذف ما يشاء، ويقدم نفسه بالصورة التي يرغب في أن تبقى في ذاكرة القراء. ومع ذلك، يشعر القارئ بأنه يقف على أرض أكثر صلابة من تلك التي تقف عليها الرواية.

أما الرواية، فقد دفعت ثمن انفجار النشر. ففي العقود الأخيرة أصبح إصدار الروايات أسهل من أي وقت مضى، حتى غصّت المكتبات بعناوين لا تكاد تُحصى. ولم يعد كل من يكتب رواية يمتلك بالضرورة الموهبة أو الخبرة أو الرؤية. وكثير من الأعمال بات يعتمد على الإثارة السريعة، أو الصدمات المجانية، أو العلاقات المفتعلة، أو الغرابة المقصودة لجذب الانتباه.

ولذلك بدأ القارئ يميز بين الرواية التي تكشف حقيقة الإنسان، والرواية التي تكتفي بتلفيق الأحداث. فليس الخيال هو المشكلة، بل الخيال الفقير الذي لا يقود إلى حقيقة إنسانية.

إن أعظم الروايات في تاريخ الأدب لم تكن مجرد اختراعات ذهنية. لقد استمدت قوتها من الحياة نفسها. شخصياتها تبدو حقيقية لأنها وُلدت من معرفة عميقة بالنفس البشرية، لا من الرغبة في إبهار القارئ بحبكة معقدة أو نهاية صادمة.

ولهذا، فإن الرواية الجيدة لا تنافس المذكرات، بل تلتقي معها في نقطة واحدة: الصدق. فالسيرة الصادقة قد تكون أروع من ألف رواية، والرواية الصادقة قد تكشف عن الإنسان أكثر مما تكشفه مذكراته.

وربما لهذا السبب قال الروائي الفرنسي الكبير غوستاف فلوبير عبارته الشهيرة: «مدام بوفاري هي أنا.» لم يكن يقصد أنه عاش حياة بطلة روايته، بل إن الحقيقة الأدبية لا تُقاس بوقوع الأحداث، وإنما بصدق المشاعر التي تحملها.

وفي ظني أن المشكلة ليست في تراجع الرواية، وإنما في تراجع الصدق داخل كثير من الروايات. فالخيال لا يفقد قيمته لأنه خيال، وإنما يفقدها عندما ينفصل عن الإنسان. وعندئذٍ يترك القارئ الرواية على الطاولة، ويفتح مذكرات شخص حقيقي، آملاً أن يعثر فيها على شيء أصبح نادراً في زمننا: تجربة صادقة، وصوت لا يتكلف، وحقيقة لا تحتاج إلى أقنعة.

#جودت هوشار#مجلة ايليت فوتو ارت..

أخر المقالات

منكم وإليكم