إنجاز “أوبن إيه آي” الرياضي يثير قلق علماء الرياضيات

قالت الشركة إن أحدث نماذجها توصل إلى حل لمسألة مرتبطة بمعادلات نافييه-ستوكس، وهي واحدة من سبع مسائل طرحتها مؤسسة “كلاي” للرياضيات عام 2000، وخصصت جائزة بقيمة مليون دولار لحل كل منها…

أثار إعلان “أوبن إيه آي” التوصل إلى حل لإحدى مسائل جائزة الألفية موجة من القلق في أوساط علماء الرياضيات، الذين يرون أن التسارع الكبير في قدرات الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل البحث العلمي وأساليب التدريس، ويهدد طبيعة العمل التقليدية في هذا المجال.

وقالت الشركة إن أحدث نماذجها توصل إلى حل لمسألة مرتبطة بمعادلات نافييه-ستوكس، وهي واحدة من سبع مسائل طرحتها مؤسسة “كلاي” للرياضيات عام 2000، وخصصت جائزة بقيمة مليون دولار لحل كل منها.

وجاء الإنجاز بعد تشغيل نحو 10 آلاف وكيل ذكاء اصطناعي، وهي أنظمة قادرة على تنفيذ مهام بصورة مستقلة، للعمل على المسألة، فيما قدرت تكلفة العملية بنحو 15 مليون دولار.

وعلى الرغم من أن تقدم الذكاء الاصطناعي في الرياضيات كان متوقعًا منذ سنوات، فإن سرعة الوصول إلى نتيجة في مسألة استعصت على الباحثين لعقود أثارت صدمة لدى أكاديميين، ودفعتهم إلى التساؤل عن مستقبل الأبحاث التي يعمل عليها البشر، وعن جدوى أساليب التعليم الحالية عندما تصبح مسائل شديدة التعقيد قابلة للحل آليًا خلال وقت قصير.

وقالت رئيسة قسم الرياضيات البحتة في جامعة سانت أندروز، البروفيسورة كولفا روني-دوغال، إنها تشعر بصدمة إزاء سرعة التطورات، مشيرة إلى أنها كانت تعتقد قبل ثلاثة أشهر فقط أن الذكاء الاصطناعي لن يحقق إنجازات استثنائية في المدى القريب، قبل أن تتغير تقديراتها بصورة كاملة.

ووصف عالم الرياضيات في جامعة مانشستر، ديفيد سيلفستر، وضع المجال بأنه شديد الاضطراب، معتبرًا أن توفر الموارد الكافية قد يجعل عددًا كبيرًا من المسائل الرياضية المفتوحة عرضة للحل بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي.

أما عالم الرياضيات في جامعة ووريك، جيمس روبنسون، فانتقد استخدام الشركات التكنولوجية الكبرى مسائل رياضية صعبة لإظهار قوة نماذجها، معتبرًا أن هذه المسائل تمثل وقودًا لتطور الرياضيات عبر الأجيال، وأن استهلاكها بهذه الطريقة قد يحرم الباحثين من تحديات أساسية تدفع إلى ابتكار مناهج وأفكار جديدة.

وأشار روبنسون كذلك إلى التكلفة البيئية المحتملة لتشغيل موارد حاسوبية ضخمة بهدف حل هذه المسائل، في ظل ما يتطلبه تدريب وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة من طاقة وبنية تحتية واسعة.

ويخشى باحثون من أن يؤدي انتشار حلول الذكاء الاصطناعي إلى تغيير طبيعة عمل علماء الرياضيات، بحيث ينتقل جزء متزايد من جهودهم من ابتكار البراهين إلى مراجعة براهين تنتجها الآلات والتحقق من صحتها.

ويشكل التحقق من البراهين أصلًا جزءًا مهمًا من العمل الرياضي، إذ سبق أن كشفت المراجعة العلمية عام 1993 ثغرة في برهان عالم الرياضيات أندرو وايلز على مبرهنة فيرما الأخيرة، ما دفعه إلى قضاء نحو عام إضافي في معالجة المشكلة.

لكن سيلفستر يرى أن التدفق المحتمل لبراهين مولدة آليًا قد يجعل الباحثين يقضون وقتًا أكبر في التدقيق والمراجعة، بدلًا من الانخراط في عملية البحث والإبداع الرياضي التي جذبت كثيرين إلى هذا المجال.

وتمتد التداعيات أيضًا إلى المسارات المهنية للباحثين، إذ تعتمد الجامعات والمؤسسات الأكاديمية بدرجة كبيرة على الأوراق العلمية المنشورة عند التوظيف والترقية. ويخشى علماء رياضيات من أن تقضي أنظمة الذكاء الاصطناعي أيامًا قليلة في حل مسائل يعمل عليها باحثون منذ أشهر أو سنوات.

وقالت روني-دوغال إن الباحث قد يقضي شهرًا كاملًا في دراسة مسألة، ثم يجد أن طرفًا آخر تمكن من حلها بمجرد استخدام نموذج ذكاء اصطناعي، متوقعة أن يظل هذا الوضع مصدرًا للاضطراب خلال السنوات المقبلة.

وفي الجامعات، يفرض التطور تحديات مباشرة على طرق تقييم الطلاب، إذ اعتادت أقسام الرياضيات تكليفهم بحل مسائل واختبارات منزلية. ويرى سيلفستر أن هذا النوع من الواجبات فقد جزءًا كبيرًا من جدواه، بسبب صعوبة التأكد مما إذا كان الطالب قد أنجزه بنفسه أم استعان بالذكاء الاصطناعي.

ويحاول المحاضرون حاليًا تحقيق توازن بين منع استخدام الذكاء الاصطناعي في مهام تهدف إلى تدريب الطالب على مهارات أساسية، وبين تعليمه استخدام هذه الأدوات في مجالات أخرى، انطلاقًا من أن العمل الرياضي المدعوم بالذكاء الاصطناعي مرشح لأن يصبح جزءًا أساسيًا من مستقبل التخصص.

ومع ذلك، يرى أستاذ فلسفة الرياضيات في جامعة أكسفورد، ألكسندر بازو، أن الذكاء الاصطناعي لن يسلب الرياضيات جاذبيتها، حتى إذا تفوق على البشر في البحث، لأن الرغبة في فهم الأفكار والبراهين والاستمتاع بجمالها ستظل قائمة.

وأشار إلى أن كثيرًا من إنجازات الذكاء الاصطناعي الرياضية لا تبدأ من الصفر، بل تعتمد بدرجة كبيرة على تراكم أعمال بشرية سابقة. واستند إنجاز “أوبن إيه آي”، بحسب التقرير، إلى أعمال لعالمي الرياضيات دييغو قرطبة ولويس مارتينيز-زوروا في مدريد.

ويتعلق الحل الذي أعلنته الشركة بمعادلات نافييه-ستوكس، المستخدمة في وصف حركة الموائع، وتدخل تطبيقاتها في فهم ظواهر متعددة، بينها حركة السوائل والغازات وبعض النماذج المرتبطة بالطقس.

وأثار إعلان “أوبن إيه آي” مخاوف إضافية بشأن حماية الأبحاث غير المنشورة. فقد بدأت الشركة تشغيل نموذجها على المسألة بعدما سمعت تقارير عن احتمال توصل علماء رياضيات إلى حلول لمسألتين من مسائل الألفية.

وكان تريستان باكماستر، من جامعة نيويورك، وليفنت ألبوغه، الباحث في “أنثروبيك”، يعملان على موضوعات مرتبطة بمعادلات نافييه-ستوكس، واستخدما منتجات لـ”أوبن إيه آي” أثناء عملهما.

وأثار ذلك شكوكًا لديهما في احتمال استفادة نموذج الشركة من أبحاث لا تزال قيد التطوير، إلا أن “أوبن إيه آي” نفت، بعد مراجعة داخلية، أن يكون نموذجها قد تعلم من أعمالهما غير المنشورة.

ورغم النفي، يقول باكماستر إن الثقة في مشاركة الأبحاث داخل مجتمع الرياضيات تعرضت لهزة، مشيرًا إلى أن بعض الباحثين باتوا أكثر ترددًا في الكشف عن أعمالهم قبل نشرها خشية استخدامها في تدريب أنظمة ذكاء اصطناعي أو الوصول من خلالها إلى نتائج قبل أصحابها.

ويعكس الجدل اتساع تأثير الذكاء الاصطناعي على الرياضيات من مجرد أداة مساعدة للباحثين إلى قوة قادرة على تغيير آليات المنافسة والنشر والتدريس، في وقت لا يزال فيه المجتمع الأكاديمي يبحث عن قواعد جديدة للتعامل مع هذا التحول المتسارع.

******
المصادر
عرب ٤٨
إيليت فوتو أرت

أخر المقالات

منكم وإليكم