قامت إسبرطة بإلقاء مبعوثي الفرس في البئر ثم أرسلت متطوعين إلى بلاد فارس ليعدما تكفريا عن مقتل الفرس.
عندما وصل المبعوثون الفرس إلى اليونان حوالي عام 491 قبل الميلاد مطالبين بـ”التراب والماء”، رضخت معظم المدن. لكن أثينا وإسبرطة ردتا بعنف. فبحسب هيرودوت (التاريخ، الكتاب السابع)، ألقى الأثينيون بالرسل في حفرة، وألقى الإسبرطيون برسلهم في بئر، قائلين لهم: “احفروا التراب والماء لأنفسكم”. كان قتل الرسل يُعتبر ذنبًا دينيًا جسيمًا في العالم القديم، إذ كان الرسل محميين بموجب التقاليد المقدسة. حتى بالنسبة لإسبرطة، المجتمع القائم على الانضباط الصارم، تجاوز هذا الفعل الخطوط الأخلاقية.
وإدراكًا لخطورة هذا الانتهاك، سعى الإسبرطيون لاحقًا إلى التكفير عن ذنبهم. يذكر هيرودوت أن اثنين من النبلاء الإسبرطيين، سبيرثياس وبوليس، تطوعا للسفر إلى بلاد فارس وتقديم حياتهما كفدية عن المبعوثين المقتولين. كانت رحلتهما رمزية: اعتراف علني بأن إسبرطة قد خالفت الشريعة الإلهية. لكن عندما وصلا إلى البلاط الفارسي، لم يُعدما. رفض المسؤولون الفرس، قائلين إنهم لن يقلدوا كفر الإسبرطيين. أُعيد الرجلان إلى ديارهما سالمين، لكن مهمتهما أعادت إلى إسبرطة كرامتها.
وقعت هذه الحادثة برمتها قبل عقد من معركة ثيرموبيل الشهيرة. يُكثّف فيلم “300” الأحداث لإضفاء تأثير درامي، فيُظهر ليونيداس وهو يقتل مبعوثًا فارسيًا قبيل المعركة مباشرة. في الواقع، تعود حادثة البئر ومهمة المتطوعين إلى أزمة دبلوماسية سابقة. يقدم لنا سرد هيرودوت صورةً أكثر ثراءً: عالمٌ كان فيه الشرف والدين والدبلوماسية لا تقل أهمية عن الحرب، حتى أن إسبرطة، الدولة العسكرية الأكثر رعبًا في اليونان، شعرت بأنها مُلزمة بالتكفير عن انتهاكها لعاداتٍ مقدسة.
#مجلة إيليت فوتو آرت


