المرحلة الثانية:
جيل الرواد وبناء المؤسسة الفنية
أكرم شكري
من ضوء بغداد إلى تأسيس الذاكرة التشكيلية
هناك فنانون يدخلون تاريخ الفن من بوابة اللوحة، وهناك فنانون يتسع حضورهم حتى يصبح جزءاً من تاريخ المؤسسة والمدينة والذاكرة. وفي بدايات الحركة التشكيلية العراقية، كان ظهور أكرم شكري علامة على مرحلة جديدة أخذ فيها الفنان العراقي يتجاوز حدود الموهبة الفردية، ليدخل فضاء الدراسة الأكاديمية، والابتعاث، والمعرض، والجماعة الفنية، وليشارك في صياغة البنية التي ستنهض عليها الحركة التشكيلية العراقية الحديثة.
حين يتعلم الفنان كيف يرى، يبدأ الفن الحقيقي وحين يعلّم الآخرين كيف يرون، يبدأ تاريخ الفن.
في هذه العبارة يمكن أن نقرأ تجربة أكرم شكري، الذي جاء في زمن كانت فيه بغداد تتهيأ لاكتشاف الصورة الحديثة لذاتها. لم يكن الرسم العراقي قد امتلك بعد مؤسساته الراسخة، ولم تكن المعارض قد أصبحت جزءاً ثابتاً من الحياة الثقافية، لذلك كان الفنان مطالباً بأن يكون رساماً ومعلماً ومثقفاً ومشاركاً في تأسيس المشهد الفني في الوقت نفسه.
ولد أكرم شكري في بغداد عام 1910، وأنهى دراسته الثانوية عام 1928. اتجه مبكراً إلى الرسم، وشارك في أعمال فنية ذات صلة بالمؤسسات التعليمية والثقافية ومنها إعداد رسوم لكتب التاريخ بتكليف من وزارة المعارف، كما عمل مدرساً في مدرسة المأمونية. كانت هذه التجربة المبكرة تضعه أمام وظيفتين متلازمتين ممارسة الفن ونقل المعرفة الفنية إلى الجيل الجديد.
غير أن التحول الأبرز في تجربته جاء مع ايفاده إلى لندن عام 1931 للدراسة في مدرسة سليد للفنون. لم تكن الرحلة مجرد انتقال جغرافي من بغداد إلى لندن، وإنما كانت عبوراً من مرحلة التلقي إلى مرحلة الاحتكاك المباشر بالتجربة الأوروبية الحديثة. هناك وجد نفسه أمام تاريخ طويل من البحث في اللون والضوء والمنظور والتكوين، وأمام مدارس فنية جعلت من اللوحة مجالاً مفتوحاً للتجريب.
عاد إلى بغداد عام 1932، ولم يعد الفنان نفسه الذي غادرها. حمل معه معرفة أكاديمية جديدة، ونظرة أكثر اتساعاً إلى العمل الفني، وبدأت ملامح تجربته تتبلور في المنظر الطبيعي والمشهد العراقي والحياة اليومية.
كان الضوء عنصراً مركزياً في أعماله. فالطبيعة العراقية بما تمتلكه من شدة ضوئية وتنوع في الأجواء والألوان أتاحت له مجالاً واسعاً للتجربة. بغداد، الموصل، الكوفة النهر، الأزقة، الأسواق، البيوت والشخصيات الشعبية، كلها تحولت إلى موضوعات تستوعب بحثه في اللون والتكوين.
ومن بين الأعمال التي ارتبطت باسمه: بائعة اللبن
أفراح غجرية ،الحيدرخانة ،مسجد الكوفة ،سكلة الخشب في الموصل ،الغزال ، دجلة في الليل وهذه العناوين تكشف اتساع اهتمامه بالمكان العراقي، وتؤكد أن انفتاحه على الفن الأوروبي لم يدفعه إلى الابتعاد عن بيئته، وإنما ساعده على إعادة النظر فيها بعين فنية جديدة.
كان المنظر عند أكرم شكري أكثر من نقل بصري للمكان. فالمدينة لديه تتحول إلى علاقة بين الضوء والكتلة، وبين اللون والفراغ، وبين حركة الإنسان وثبات العمارة. ولهذا تبدو تجربته في مرحلتها الأولى قريبة من الواقعية والانطباعية، مع اهتمام واضح بالتقاط اللحظة الضوئية وتدرجات اللون.
إذا كانت اللوحة هي المساحة الأولى التي يمكن من خلالها قراءة أكرم شكري، فإن المؤسسة الفنية تكشف مساحة أوسع من دوره.
في عام 1941 تأسست جمعية أصدقاء الفن، وكان أكرم شكري واحداً من أبرز المشاركين في تأسيسها إلى جانب عدد من الفنانين العراقيين الرواد. أقامت الجمعية معرضها الأول في العام نفسه، ثم واصلت نشاطها، لتصبح واحدة من المحطات المهمة في تطور الحياة التشكيلية العراقية.
هنا بدأت اللوحة تغادر المرسم لتدخل فضاء المجتمع.
فالمعرض لم يعد حدثاً محدوداً بين الفنان وأصدقائه، وإنما أصبح وسيلة لتكوين جمهور، وخلق نقاش حول الفن، وإيجاد علاقة جديدة بين العمل التشكيلي والمتلقي. وكان تأسيس الجمعيات الفنية خطوة مهمة في بناء الوعي التشكيلي العراقي، لأنها وفرت للفنانين مساحة للتلاقي والتجربة وعرض الأعمال.
شارك أكرم شكري في هذا التحول بفاعلية، ثم واصل حضوره في العمل المؤسسي، وشارك عام 1956 في تأسيس جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، وانتخب نائباً لرئيس هيئتها الإدارية، ثم تولى رئاسة الهيئة الإدارية في عامي 1963 و1964.
وهذا الجانب يجعل تجربته تتجاوز حدود الرسم إلى تاريخ المؤسسة الفنية العراقية. لقد كان جزءاً من جيل أدرك مبكراً أن الحركة الفنية لا تستطيع الاستمرار من دون تنظيم، ومعارض، وجمعيات، ومؤسسات تحفظ التجارب وتفتح الطريق أمام الفنانين الجدد.
تقنياً، مرت تجربة أكرم شكري بعدة مراحل، ولم تتوقف عند أسلوب واحد. في بداياته ظهر اهتمامه بالواقعية والانطباعية، مع عناية خاصة بالضوء واللون والمنظر الطبيعي.
لكن التجربة أخذت منحى أكثر بحثاً مع توجهه إلى التنقيطية في بعض أعماله.
التنقيطية ليست مجرد توزيع نقاط صغيرة على سطح اللوحة، وإنما تقوم على بناء اللون من وحدات متجاورة، بحيث تتفاعل الألوان داخل العين أكثر مما تختلط على لوحة الألوان. وهذا الأسلوب يمنح السطح التصويري اهتزازاً بصرياً، ويجعل الضوء يتحرك بين المساحات.
في أعمال أكرم شكري، يمكن قراءة هذا التوجه باعتباره بحثاً عن استقلالية اللون. فاللون لم يعد تابعاً للشكل دائماً، بل بدأ يمتلك حضوره الخاص. الأزرق والبرتقالي والأخضر والأحمر يمكن أن تتجاور لتصنع إحساساً بالضوء والحركة، حتى عندما تكون العناصر المرسومة ثابتة.
وهنا تكمن أهمية التكنيك؛ فالتقنية ليست أداة منفصلة عن الفكرة، وإنما هي الطريقة التي تتحول بها الرؤية الداخلية إلى أثر بصري.
لم يكن شكري يكتفي بتغيير الموضوع، بل كان يختبر أيضاً الطريقة التي يمكن أن يظهر بها الموضوع على سطح اللوحة.
من الانطباعية إلى التجريب
جاءت مرحلة أخرى مهمة في حياته عندما حصل عام 1954 على زمالة دراسية عن طريق اليونسكو، وسافر إلى الولايات المتحدة والمكسيك.
كانت هذه الرحلة فرصة جديدة للاطلاع على تحولات الفن الحديث، خصوصاً التجارب التي أعادت تعريف العلاقة بين الفنان والسطح التصويري. وهناك تعرف إلى اتجاهات أكثر تحرراً في استخدام اللون والحركة، وتأثر ببعض جوانب التجربة الأميركية الحديثة.
وتشير الكتابات التي تناولت سيرته إلى اهتمامه بتجربة جاكسون بولوك، خصوصاً في التعامل مع اللون وحركة اليد ومساحة اللوحة. غير أن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في التأثير الخارجي وحده، وإنما في أنها دفعت شكري إلى توسيع تجربته والخروج من حدود المنظر التقليدي.
وهنا يتحول سطح اللوحة إلى مجال للفعل.
اللون يمكن أن يتحرك، والخط يمكن أن يتداخل، والبقعة يمكن أن تؤدي وظيفة الشكل، والمساحة يمكن أن تتحول إلى حقل نابض بدلاً من أن تكون خلفية صامتة.
وتظهر لوحة حواء
ضمن الأعمال التي تكشف جانباً من هذا التحول، بما تحمله من كثافة لونية وحضور واضح للملمس والتكوين.
لقد كان التجريب عنده محاولة لاكتشاف إمكانات جديدة للوحة، حتى لو أدى ذلك إلى تفاوت بين الأعمال. وهذه نقطة مهمة في قراءة تجربته؛ لأن الفنان الذي يدخل مناطق جديدة قد لا يصل دائماً إلى النتيجة المثالية، لكنه يفتح أمام نفسه احتمالات لم تكن موجودة من قبل.
الفنان الذي أسهم في صناعة زمنه
شارك أكرم شكري في معارض عديدة داخل العراق وخارجه، منها معارض جمعية أصدقاء الفن، ومعرض ابن سينا عام 1952، ومعارض للفن العراقي في القاهرة وبيروت والهند، كما أقام معرضاً شخصياً في بغداد عام 1956.
وفي عام 1978 أقامت وزارة الثقافة والإعلام معرضاً شاملاً تكريماً له في المتحف الوطني للفن الحديث في بغداد، تقديراً لمسيرته الفنية ودوره في تاريخ الحركة التشكيلية العراقية.
رحل أكرم شكري عام 1983، بعد أكثر من نصف قرن قضاه بين الرسم والتعليم والعمل المؤسسي والتجريب.
لكن قيمة تجربته لا تتوقف عند اللوحات التي تركها، ولا عند المعارض التي شارك فيها. أهميته تكمن في أنه عاش مرحلة كان فيها الفن العراقي يعيد تعريف نفسه.
كان الفنان في تلك المرحلة يفتح مرسمه على العالم، ويتعلم في الخارج، ثم يعود إلى بغداد ليكتشف إمكانات المكان من جديد. وكان المعرض يتحول إلى مساحة للحوار، والجمعية إلى وسيلة لتنظيم النشاط الفني، واللوحة إلى وسيلة لبناء ذاكرة بصرية عراقية.
لهذا فإن أكرم شكري يمثل مرحلة أساسية من جيل الرواد وبناء المؤسسة الفنية. فهو الفنان الذي جمع بين المعرفة الأكاديمية والتجربة المحلية، وبين الرسم والعمل الثقافي، وبين المحافظة على صلة المكان والمغامرة في التقنية.
لقد رسم بغداد، لكنه ساهم أيضاً في رسم الطريق الذي سلكه الفن العراقي بعده.
وإذا كان الرواد الأوائل قد وضعوا الخطوات الأولى، فإن أكرم شكري وجيله منحوا تلك الخطوات شكلاً أكثر وضوحاً، وأوجدوا لها فضاءً مؤسسياً يستطيع أن يستوعب الفنان والمعرض والجمهور.
من هنا يمكن النظر إلى تجربته باعتبارها صفحة مضيئة في تاريخ التشكيل العراقي: صفحة لم يكن فيها اللون مجرد مادة للرسم، بل كان وسيلة لاكتشاف العراق، وبناء الذائقة، وفتح أبواب الحداثة.
وهكذا يبقى أكرم شكري واحداً من أولئك الفنانين الذين لم يرسموا زمنهم فقط، بل شاركوا في صناعته.
اميرة ناجي /بغداد


