أعجوبة خوارزميات الهجرة في الطيور

نموذج هازجة بلاكبول

حين نتأمل رحلة طائرٍ صغيرٍ لا يكاد يُرى، مثل هازجة بلاكبول blackpoll warblers، تتكشف أمام العقل صفحة مدهشة من كتاب الكون؛ طائرٌ يزن غرامات قليلة، يترك يابسة الشمال لا متجهًا جنوبًا كما يبدو بديهيًا، بل شرقًا فوق محيطٍ مفتوحٍ بلا علامات ولا مرافئ، وكأنما يسير على طريقٍ مرسومٍ لا تراه العيون، ففي لحظةٍ محسوبة بدقة ينهض بجناحيه ليلتقط تياراتٍ هوائية عالية تحملُه آلاف الكيلومترات إلى سواحل أمريكا الجنوبية، فيقطع ما يعجز عنه أعظم المسافرين بأقل جهد، والعجب أن هذا السلوك لا يتعلمه الطائر من أبٍ ولا من قطيع، بل يولد به، فالصغير الذي نشأ في الأسر يسلك المسار ذاته، في التوقيت ذاته، بالاتجاه ذاته، كأن في صدره بوصلة خفية وساعة لا تخطئ وذاكرة لم تعش التجربة قط، يستخدم المجال المغناطيسي للأرض، والنجوم، والضوء المستقطب عند الغروب، ويضبط إيقاعه الداخلي مع المواسم، ثم يهيئ جسده قبل الرحلة فيخزن الطاقة على هيئة دهون عالية الكثافة، ويخفف وزنه بتقليص ما لا يلزم، في توازنٍ فسيولوجي محكم لا يعرف الفوضى ولا المصادفة، وهنا يقف السؤال الكبير: كيف يجتمع في دماغ بحجم حبّة أرز هذا الإدراك المركب للزمان والمكان والطقس والطاقة دون تعليمٍ أو تجربة؟ إن الجينات هنا لا تصف مادة فحسب، بل كأنها تحمل أوامر وسننًا، برامج سلوكية دقيقة تُنفَّذ بإتقان من أول مرة، فتشهد بأن هذا الكون لا يقوم على العشوائية العمياء، بل على تقديرٍ سابقٍ وحكمةٍ بالغة، ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، فكما هُدي هذا الطائر في رحلته فوق البحر، تهدي هذه الآية القلوب إلى أن وراء هذا النظام صانعًا عليمًا، أحاط كل شيء علمًا، وأجرى كل مخلوق على ما يصلحه، في مشهدٍ صغيرٍ الحجم عظيمِ الدلالة على صنع الله المتقن.

#مجلة إيليت فوتو آرت 

أخر المقالات

منكم وإليكم