أسرار عبقرية وريادة..محمد الماغوط..- بقلم: وفيق صفوت مختار.

وفيق صفوت مختار: محمد الماغوط.. أسرار عبقريته وريادته

منذ ظهور أول قصيدة نشرها «محمد الماغوط» في مجلة «شعر» في أواخر الستينيات من القرن المنصرم، أثار الاهتمام. فقد لاحظ الوسط الشعري آنذاك أنه أمام صياغة طريفة جديدة، بخلاف كافة المحاولات التي كانت تتبارى في التجديد والإبهار. فبينما كان آخرون ينهلون تجاربهم من معين الثقافات على أنواعها وبكل مؤثراتها، منح «الماغوط» من واقعه المتردي صورًا حسية مباشرة جذابة ترتكز على التشبيه الذي يلمع على سطح اللغة. وهذا التسطيح الشعري الذي تخلى عن سحر العمق ورؤاه، لو لم يؤتَ موهبة كموهبة «الماغوط» النادرة، لما استطاع أن يقف إلى جانب مواهب مجلة «شعر» التي كانت تعتمد على مدخراتها من مدارس الغرب.

وما زاد في جاذبية «الماغوط»، أن القُرَّاء وجدوا أنفسهم أمام ظاهرة كان النقاش حولها يشتد بين حين وآخر: هل يمكن اعتبار هذا النمط النثري شعرًا؟ إن ما يقرؤونه مدهش، ولكنَّه غير موزون. وقد اقتضى هذا المعطى ساعات طويلة من الترويض للأذهان حتى استحق هذا النمط أن يحظى بالقبول والتقدير في العالم العربي.

⚫ سار في طريقه من دون الاكتراث بالانتقادات:

لقد واجهت قصيدة النثر انتقادات كثيرة وواسعة وخاصة من لدن شعراء القصيدة التقليدية ونظرائهم في الشعر الحُر الذين قللوا من قيمتها الإبداعية وحكموا عليها بالنقصان والضعف والموت، وقللوا أيضًا من شأن شعرائها وكُتَّابها وجعلوهم من الذين يجرون وراء وهم اسمه: (الشعر الحديث).

لم يتأثر «الماغوط» بكل تلك الانتقادات التي كانت تحكم على قصيدة النثر وكُتَّابها دون دراسة وتحليل عميقين قادرين على وضع سكة النقد في طريقه السليم. ورغم أن شعر «الماغوط» كان فيه الكثير من سمات الشعر الحر، بل كان قادرًا على كتابته والتفوق فيه، ولكنه آثر أن يبدع على طريقته وأسلوبه الخاص ووفق رؤية أدبية وشعرية يتقنها ويقتنع بها، خاصة وأنه لم يلجأ إلى أي نظرية شعرية أو نقدية ترسم له منهجه الشعري الذي ارتأى التفوق فيه.

⚫ عبقرية «الماغوط» في مضمار قصيدة النثر:

بقصيدة «الماغوط» النثرية المتجسدة بالصورة البدائية، والملتصقة بالحياة حتى التوحد، ما ساهم في صورةٍ جذريةٍ في تأسيس القصيدة النثرية في التربة العربية، وفي تحريرها من القيود الحديدية الخانقة.

لقد صاغ «الماغوط» قصيدة النثر بإيقاعها الخاص والتي وضعها في موازاة قصيدة التفعيلة، وكان لقدرته على بناء الإيقاع بما يتكامل مع لُغته وصوره الجريئة الجسورة أول مَنْ أسس شعرية النثر في القصيدة العربية، وتظل إنجازاته تؤكد على عبقرية الإبداعية التي حولت قصيدة النثر إلى وعي طبيعي في الخيال العربي.. ذلك الخيال الذي طالما رفض الاعتراف بها.

واستطاع «الماغوط» أن يقنعنا بأن قصيدة النثر لها شرعية تبرر كتابتها وقراءتها. وهو لم يكن في قصيدته تلك مدفوعًا بتجريب شكل سبقه إليه الشعراء الغربيون كما نجد الكثيرين ممن كتبوا قصيدة النثر، إنما كتب ما رأى أنه يحتاج إلى كتابته، ووجد شكلًا -ربما على نحوٍ عفوي- استطاع من خلاله أن يقول فيه ما يتمنى أي شاعر حقيقي أن يقوله في القصيدة الموزونة. لقد تفوق على كثيرين ممن كتبوا هذه القصيدة لأنه كان بسيطًا، عفويًا، ولكنه يُقدر ما يكون عميقًا وصادقًا.

وقد قال «الماغوط» عن قصيدة النثر: «الشعر نوع من الحيوان البري، الوزن والقافية والتفعيلة تدجنه، وأنا رفضت تدجين الشعر، وتركته كما هو حُرًا، ولذلك يخافه البعض. وأعتقد أن قصيدة النثر هي أول بادرة حنان وتواضع في مضمار الشعر العربي الذي كان قائمًا على القسوة والغطرسة اللفظية، كما أن هذه القصيدة مرنة، وتستوعب التجارب المعاصرة بكل غزارتها وتعقيداتها، كما أنها تضع الشاعر وجهًا لوجه أمام التجربة وتضطره إلى مواجهة الأشياء دون لف وراء البحور، أو دوران على القوافي».

⚫ رفض الاستبداد، وآمن بالقومية العربية:

في شعر «محمد الماغوط» نجد رفضه الاستبداد، والإيمان بالقومية العربية، والوحدة، والتكافل، والصمود، والدعوة إلى احترام المقومات الحضارية للأمة، يقول في قصيدة «حصار»:

دموعي زرقاء

من كثرةِ ما نظرتُ إلى السماءِ

وبكيتُ

دموعي صفراءُ

من طولِ ما حلمتُ بالسنابلِ الذهبيةِ

وبكيتُ

فليذهبْ القادةُ إلى الحروبِ

والعشاقُ إلى الغاباتِ

والعلماءُ إلى المختبراتِ

أمَّا أنا سأبحثُ عن مسبحةٍ

وكرسيٍ عتيقٍ

لأعودَ كما كنتُ

حاجبًا قديمًا على بابِ الحزنْ.

يرفض الشاعر في هذه الأبيات الشعرية الاستبداد، وتأليه الحُكام، وفرض الأمر الواقع على الشعوب الضعيفة ودفعها إلى الحروب للموت والبكاء وإنتاج الأحزان، وازدياد أعداد الثكالى والأرامل والأيتام والفقراء والضعفاء الذين لا قيمة لهم في مجتمعاتهم، بل يتمنى أن يعيش الكل في سلامٍ وطمأنينةٍ، وأن يكون لكل فرد دوره الخاص به، فالقادة للحروب، والعُشاق للحب، والعلماء لأبحاثهم.

واستطاع «الماغوط» بقصائده وتجربته الشعرية الصادقة والثاقبة أن يواكب تطورات المجتمع العربي عامة، والسوري خاصة من الناحية السياسية والاجتماعية والثقافية تأثُّرًا وتأثيرًا. وأصبحت للشاعر القدرة على التحكم في إنتاج قصائده التي صارت صنيعًا بين يديه من لحمٍ ودمٍ.

وعند تتبعنا لمسار الكتابة في كل قصيدة من قصائد «الماغوط» سوف نجده مسارًا مبنيًا على سرد تفاصيل مختلفة قادرة على إيصال فكرة بعينها قد اقتنع تمامًا بجدوى الكتابة عنها وحولها، فيكتب عن: الدموع، والحزن، والألم، والاستبداد، والبغض.. وهي عناوين واقعنا العربي المُتردِّي على مختلف الأصعدة. وهذه جرأة كبيرة يُقدم عليها الشاعر ليفضح عوراتنا ويعري وقعنا المهترئ.

⚫ انحيازه للشقاء الإنساني بكافة أشكاله:

كان «محمد الماغوط» منحازًا للشقاء الإنساني الذي يلون حياة الطبقات المتدنية، فيجد الإنسان يده خالية من أي شيء يمكن أن يقدمه لمعشوقته، لأن الآخرين سلبوه حقوقه، ولأن الشقاء مصيره، فيتساءل: هل كان ذلك الشقاء جبرًا؟

يتضح هذا الانحياز في قصيدة «حوار الأمواج»، وهي قصيدة بالغة التأثير، وبالغة الغوص في ارتباك وحيرة الإنسان، والتي قال فيها:

لا أريد أن أكون قذرًا ولا معقمًا

فلكُلّ من الحالتين تبعاتها

في القرى يدعو الأهل على الولد المشاكس أو قليل الهمة:

لتركض ورغيفك يركض

ولم أكن أعرف أنَّ رغيفي

قد يدخل في سباق «دربي» الشهير

أحيانَا الصَّمت أجمل موسيقا في العالم

أية أغنية تريدين؟

وعلى أي إيقاع؟

وليس عندي سوى نقرات أصابعي

على قفا الصحون الفارغة

وخوذ الشهداء المجهولين.

ورغم إعلان «الماغوط» أن الفرح ليس مهنته، وأن غرفة نومه بملايين الجدران، فهو بارع في اقتناص السَّعادة والاحتفاظ بها زمنًا طويلًا، لكنها سعادة نابعة من رحم، الشقاء الإنساني، والقهر، والسجن، والخيبة، والتشرد، ورحيل الأحبة.. ذكرياته التي تتحول المرارة فيها إلى سخرية تارة، وحكمة تارة أخرى، وإضاءات يطل من خلالها على ذاته المكدودة في أحيانٍ كثيرةٍ.

⚫ أعلن ثورته، شاهرًا سلاح الجوع والدم والدموع:

إن شاعرية «الماغوط» المُتفرِّدة خلقت من مفردات بيئته المحلية لوحة شعرية بروح مُتمرِّدة وخيال ثوري منقطع النظير، ورؤى تنبؤية نقية، رافعًا سلاح الجوع وأنهار الدم والدموع بوجه الجرائم البشرية، معلنًا ثورته إلى كل العالم وكأنه نبي، وهذا ما نقرأه في قصيدة «الغجري المعلب»، التي يقول فيها:

بدون النظر إلى ساعة الحائط

أو مفكرةِ الجيب

أعرف مواعيد صراخي.

وأنا هائمٌ في الطرقات

أصافح هذا وأودعُ ذاك

أنظر خلسةً إلى الشرفاتِ العالية

إلى الأماكن التي ستبلغها أظافري وأسناني

في الثوراتِ المقبلة

فأنا لم أجعْ صدفة

ولم أتشرَّد ترفًا أو اعتباطًا

«ما من سنبلةٍ في التاريخ

إلَّا وعليها قطرةٌ من لُعابي».

حقًا لديه الأداء الشعري، تجربة متواصلة مع الذات والعالم كشف لنا فيه أنه ذلك السهل الممتنع، وهو يعمد إلى الاشتغال على المفارقة في الصورة الشعرية وببساطة متناهية، وتلقائية متفرِّدة، يقول في قصيدة «خريف الأقنعة»:

أيها المارة

أخلو الشوارع من العذارى

والنساء المحجبات..

سأخرج من بيتي عاريًا

وأعود إلى غابتي

*

محال.. محال

أن أتخيل نفسي

إلَّا نهرًا في صحراء

أو سفينة في بحر

أو.. قردًا في غابة

يقطف الثمار الفجة

ويلقي بها على رؤوس المارة

وهو يقفز ضاحكًا مصفقًا

من غصنٍ إلى غصن.

*

أنا لا أحمل هوية في جيبي

ولا موعدًا في ذاكرتي

انا لم أجلس في مقهى

ولم أتسكع على رصيف

أنا طفل

ها أنا أمد جسدي بصعوبة

لأدفن أسناني اللبنية في شقوق الجدران

أنا شيخ

ها ظهري ينحني

والمارة يأخذون بيدي

أنا أمير

ها سيفي يتدلى

وجوادي يصهل على التلال

أنا متسول

ها أنا أشحذ أسناني على الأرصفة

وألحق المارة من شارع إلى شارع

أنا بطل.. أين شعبي؟

أنا خائن.. أين مشنقتي؟

أنا حذاء.. أين طريقي؟

⚫ كشف زيف النفاق، وحطم أصنام التزمت:

كان للشاعر «محمَّد الماغوط» قدرة هائلة على تفتيق اللغة عن جراحها التي يحاول البعض تضميدها لتظهر في أتم عافية بينما الخلايا تتفسخ وتمرض، لكنه كان دائمًا مُستفزًا من حالة النفاق التي كنا نعيشها، وكان قادرًا نكأ الجراح وهز صخور القناعة، وتوضيح المفارقات الساخرة في عالمنا.

لقد كان «الماغوط» ديمقراطيًا في عالم ديكتاتوري، وكان حداثيًا في ثقافةٍ كلاسيكيةٍ، وكان تقدُّميًا في مجتمعاتٍ رجعيةٍ، وكان وطنيًا في مزايدات الخيانة، وكان ثوريًا في أوقات الاستسلام… كان «الماغوط» مبشرًا ورائيًا في كُلِّ شيء، وكان ثوريًا بينما القطيع يصفق لذبح الغد بدمٍ باردٍ لكنه كان في الجوهر أكثر انتماء لثقافته وأمته وبلاده المتناحرة والمتلاطمة والمحتلة ولم يستسلم رغم تزيين الهزائم، وتبرير الخذلان، وتكثيف العصي والهراوات، وازدياد عدد الزنازين والسجون.

لم يتراجع «الماغوط» ولم يصمت بينما حفلات الترويج تولد الفشل، وتُكرس الكذب والادعاء والخوف، كان قادرًا على تحرير الشعر من نقصانه، والكلام من ارتباكه، والعقل من حكمة البلاهة والسخف. وفي كل ما كتب من شعرٍ ونثرٍ ومسرحٍ ومقالاتٍ ومقابلاتٍ لم يكن إلَّا صوته الخاص وعقيدته الخاصة وضميره الحي والنقي.

حطم «الماغوط» حذر اللُّغويين وأصنام التزمت، وكتب بوحشية ذئب فر من شرك الهلاك، ولم يُحرِّر القصيدة من حبال التقاليد فقط بل حرَّر يد المُتلقي في تذوق الجبن الفاسد، والشعر الكاسد، والألاعيب اللفظية السقيمة.

ما زال الجرح الذي أبصره ونكأه «الماغوط» ماثلًا أمامنا، ولم يكن يعنيه أكثر من كشف طرائق تعذيبنا، وسُبُل ذبحنا، ووأد أحلامنا وقام الرجل بواجبه خير قيام فلم يكن يبتغي لنفسه أكثر مما كان شاعرًا مبدعًا وساخرًا كبيرًا في كل ما عاش، وكل ما كتب لكل مَنْ عرف وأحب أو كره لكنه تسامح وسامح، وسطعت شاعريته المرهفة حتى بعدما ودع الشام، وودع تلك الأزقة التي أحبّها والعيون التي عشقته.

أهم المراجع:

خليل موسي: شعرية الانتهاك عند الماغوط (قراءات نصية في الشعر العربي المعاصر في سوريا)، دمشق: منشورات الهيئة العامة السوريَّة للكتاب، وزارة الثقافة، 2012م.
محمد الماغوط: غرفة بملايين الجدران، بيروت: دار مجلة شعر،1960م.
محمد الماغوط: سياف الزهور، دمشق: دار المدى،2001م.
محمد الماغوط: البدوي الأحمر (نصوص جديدة)، دمشق: دار المدى ط1، 2002م.
محمد علي شمس الدين: محمد الماغوط.. قصيدة طويلة كعواء ذئب، مجلة العربي، الكويت، العدد: 573، أغسطس 2006م.
وفيق صفوت مختار: محمد الماغوط.. شاعر المقاومة والثورة والحرية، (سلسلة المبدعون)، القاهرة: دار أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي،2021 م.

*أوراق/ 26

======***********======
– المصادر:
– موقع العربية
– موقع اكسبوجر
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– موقع البيان
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع الشرق
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية

أخر المقالات

منكم وإليكم