راما وهبة
حين اختارت مكتبة الكونغرس الأميركية في 15 سبتمبر/ أيلول سنة 2025 آرثر سي Arthur Sze شاعر الولايات المتحدة، لم تكن تحتفي بمسيرة شعرية طويلة فحسب، بل بصوتٍ أعاد تركيب القصيدة الأميركية من عناصر متباعدة: الطبيعة، العلم، التأمّل البوذي، الترجمة، والإنصات العميق للعالم.
كتاب “دعوة إلى السُّكون” Into the Hush (منشورات كوبر كانيو، الولايات المتحدة، 2025) هو المجموعة الشعرية الثانية عشرة للشاعر، وآثرتُ ترجمة عنوان مجموعته “دعوة إلى السُّكون” بدلاً من “إلى السُّكون”، لأن السكون عند آرثر سي لا يظهر بوصفه جموداً أو حالة ثابتة. الصمت عنده لا يعني غياب الصوت، ولا يُطلب بوصفه فراغاً تأملياً، بل حركة داخلية تُنقّي نفسها من صخب الحوادث، والانفعالات الطارئة، والانسياق الأعمى لما يستهلك عاطفة الإنسان ويقيّد رؤيته الحرَّة. يتجلّى ذلك أيضاً في اختياره كلمة Hush بدلاً من كلمات مثل Silence أو Quiet؛ فكلمة Hush تحمل معنى التهدئة والاقتراب التدريجي من حالة إنصات حسّاسة، أكثر مما تشير إلى صمت مكتمل أو نهائي. لذلك يبدو السكون في قصائد الكتاب حيّاً، مرتبطاً بحساسية مفرطة تجاه الطبيعة، والألم الإنساني، والتفاصيل الدقيقة للعالم. كأن الشاعر يقترح السكون طريقاً إلى الرؤية الأعمق، والاتصال بالوجود على مستوى “الآن الأبدي” الذي يفيض على ما حوله،
تضم مجموعة “دعوة إلى السكون” أربعين نصاً ومقطعاً شعرياً، تتجاور فيها القصائد المختزلة المستقلة مع مقاطع من نص طويل يحمل عنوان Zuihitsu (“زويهتسو”)، وهي كلمة يابانية تعني: “اتباع الفرشاة” أو “الكتابة التي تتبع حركة القلم”. هذا التصور الذي ينتمي إلى تقاليد الشرق الأدبية، والشكل الطباعي للغتين الصينية واليابانية، جعلا الشاعر يتعامل مع اللغة بوصفها مساحة تشكيلية من الحبر، والفراغ، والإيقاع البصري، لتصبح الكلمة أثراً بصرياً بقدر ما هي معنى لغوي.
آرثر سي هو أول شاعر أميركي من أصول آسيوية يشغل منصب “الشاعر الخامس والعشرين للولايات المتحدة”. وُلد عام 1950 في نيويورك لعائلة صينية مهاجرة، ودرس الكيمياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قبل أن تغيّر ورشة للشاعرة دينيس ليفرتوف مساره نحو الشعر، فانتقل إلى جامعة كاليفورنيا في بيركلي لدراسة الأدب والشعر. منذ بداية مسيرته الشعرية، انشغل آرثر سي بترجمة الشعر الصيني الكلاسيكي، وقد أسهم هذا الاشتغال في توسيع حساسيّته داخل الشعر الأميركي. الترجمة عنده ممارسة طوَّرت فهمه لبنية الصورة، وإيقاع اللغة، وكيف يتولد المعنى من الاختزال والتجاور. فأصدر عام (2001) مجموعة مختاراته “تنِّين الحرير” The Silk Dragon، وهو عمل يضمّ قرابة ألف وخمسمائة سنة من الشعر الصيني، سعى الشاعر من خلالها إلى الكشف عن نصوص لازمنيّة، متعدِدة الفضاءات، بحيث يصبح الزمن الشعري شبكة علاقات حيويّة، تعيد باستمرار تشكيل اللغة وتفتح مسارات جديدة لها.
من عبارة الشاعر الصيني لي شانغ ين Li Shangyin: “دودةُ القزِّ تواصل غزلَ الحرير حتى الموت”. استمدّ عنوان كتابه. خيط الحرير الممتدّ عبر آلاف السنين هو اللغة، بينما يشير التِّنين إلى طاقة الخيال التحويلية. الترجمة بالنسبة إلى آرثر سي تعني أن الكلمة لم تبدأ من اللاشيء، كما هي أرواحنا، نجدها في الأثر اللامتناهي لعلاقتنا بالآخر وتفاعلنا معه.
إصغاء إلى لحظة يصبح فيها الشكل ظلاً للفراغ، والفراغ جوهر الشكل نفسه
اقترابه من الجذور الأولى جعل لغته الشعرية لا تطغى على المشهد، ولا تحاول أن تصقل الرؤية بقدر ما تطلق اندفاعاتها صوب مجاهيل تتبرعم وتزهر في رأس القارئ. يستحضر الشاعر أطيافاً من أشجار الفاكهة، وحركة الفراشات، وكيمياء المعادن، وصناعة القنابل النووية، معتمداً على حرفة ورثها من أجداده في الشرق الآسيوي عبر عقود من الفن والكتابة.
في نصوص الكتاب التي تحمل عناوين مثل: “عمارات الفراغ” و”ألوان مائية لمعماري” و”بانتوم البردي”، يقترب آرثر سي من الفكرة الروحية الكامنة في تعاليم السوترا البوذية، وخصوصاً العبارة الشهيرة :”الشكل هو الفراغ، والفراغ هو الشكل”. الفراغ في هذه القصائد هو المساحة الحية التي تتولد منها الأشياء وتعود إليها. تفيء النَّفس تحت أوراق الأوكاليبتوس اللامرئية، وتلمع الأقاصي قطرات ماء في باطن اليد. يقول:
“أشمُّ رائحة الأوكاليبتوس
حيث لا يُوجد
وأحدِّد مكان الصيف
في المطر”.
في “بانتوم البردي” تتكرَّر الصور ثم تتبدَّل كما لو أنها أمواج تعود من ذاكرة فنون انقرضت، بينما تتحوّل الكتابة في “ألوان مائية لمعماري” إلى بناء هشّ من الضوء والشفافية. لا يكتب سي العالم بوصفه مادة مستقرة، بل تدفقاً مستمراً بين الامتلاء والفراغ، بين ما يُرى وما يُوشك على التلاشي. القصيدة عنده تنفّس يتصاعد، إصغاء إلى اللحظة الدقيقة التي يصبح فيها الشكل ظلاً للفراغ، والفراغ جوهر الشكل نفسه.
أما قارئ النص، بالنسبة إلى الشاعر، فهو الذي يتجاوب مع تدفق الكلمات، متماهياً مع أبعادها، ومتقمصاً لنواتها الحميمة. الانتباه إلى إمكانات النص، وما يمكن أن يفعله القارئ من خلال اللغة، يمنحه طريقاً لاكتشاف الأسئلة الملحّة من دون توقع إجابات نهائية، وهنا تتمحور دعوة الكاتب للإبطاء قليلاً، للاستماع بوضوح، واختبار الرقصة بين موسيقى الكلمات والسكينة قبل أن يندفع التيار التالي.
# مجلة إيليت فوتو آرت


