Nuremberg (2025) وقائع درامية قانونية بتوقيه المخرج / الكاتب: James Vanderbilt

اسم الفيلم: Nuremberg (2025)المخرج / الكاتب: James Vanderbiltالنوع السينمائي: دراما تاريخية قانونية (Historical Legal Drama) مع بُعد نفسي تحليليالبطولة: Russell Crowe بدور Hermann Göring، Rami Malek بدور الطبيب النفسي Douglas Kelley، Michael Shannon بدور المدعي العام الأمريكي Robert H. Jacksonفيلم Nuremberg حين تتحوّل المحكمة إلى مسرح لمحاكمة الإنسان لا الحربكثيرة هي الأفلام التي تناولت محكمة نورنبيرغ، لكن فيلم James Vanderbilt الأخير الذي كتبه وأخرجه في الوقت نفسه، كان برأيي واحدًا من أجمل وأعمق ما قُدّم عن تلك المرحلة.إنه ليس فيلمًا يروي وقائع المحكمة فحسب، بل يحاكم المنطق الذي يشرعن القسوة حين تتحوّل الدولة إلى فكرة مطلقة فوق الفرد.يبدأ الفيلم بمشهد افتتاحي كئيب، أشبه بلوحة جنائزية لأمة مهزومة:ألمان يجرّون أشلاء مدينة سقطت تحت ثقل الحرب، أجساد متناثرة، وبلاد تُحمل على عربات الانكسار، لا على أكتاف المجد.وفجأة، تشق الصورة سيارة مرسيدس فخمة، في داخلها الرجل الثاني في نظامٍ عسكري شمولي سقط لتوّه، يرفع سائقه راية الاستسلام قبل أن يخرج الصوت بلسان Russell Crowe، وبألمانية تحمل ما يكفي من الإقناع الدرامي(Ich bin hier, um mich zu ergeben)(أنا هنا لأستلم)الألمانية التي تحدّث بها كرو قد لا تكون مثالية، لكنها ناجحة بما يكفي لتجعلنا نصدّق أن من يتكلّم هو غورينغ، لا الممثل.وهذا ما يميّز الأداء الجيد: أن يتحوّل التمثيل إلى إيمان، لا إلى محاكاة صوت فقط.وفي خطٍ موازٍ، يظهر Michael Shannon مجسّدًا شخصية المدعي العام الأمريكي Robert H. Jackson،الرجل الذي يقف على أرض العدالة المنتصرة، لكنه يواجه السؤال الأصعب في تاريخ القانون الحديث:كيف نحاكمهم؟ وضمن أي سياق قانوني؟ وأي قانون يمكن أن يضع تعريفًا لما تجاوز حدود القسوة التقليدية إلى هندسة إنسانٍ بلا ضمير؟ثم يدخل الفيلم إلى عمقه الأكثر إثارة عبر شخصية الطبيب النفسي Douglas Kelley، الذي جسّده Rami Malek بإتقان مذهل.العلاقة بين كيلي وغورينغ ليست علاقة بين طبيب ومتهم، بل بين(عقلٍ يريد أن يفهم كيف يمكن للإنسان أن يسقط في منطق القوة المفرطة)وعقلٍ آخر لا يزال يؤمن أن القسوة كانت شكلاً من أشكال الخدمة الوطنية، لا انحرافًا أخلاقيًااللقاءات بينهما مشحونة بالإيحاءاتسياسية… (لأن السياسة تُكتب دائمًا بعد أن تسقط البنادق)أخلاقية… (لأن السلطة المطلقة لا ترى ضحاياها، بل ترى سرديّتها)فلسفية… (لأن الطبيب لا يبحث عن المشنقة، بل عن تفسير الوحش)نفسية… (لأن ما يريد سبره ليس الحرب، بل الإنسان الذي شرعنها)وقفتُ طويلًا عند واحدة من أكثر جُمل الفيلم رسوخًا، جملة لا تنتمي إلى زمنٍ واحد”Not every ally is on your side.”(ليس كل حليف لك هو في صفك)هذه الجملة ليست تفصيلة نصيّة، بل قانون غير مكتوب من قوانين التحالفات الكبرى، حيث لا يكون الحليف شريكًا في الموقف، بل شريكًا في النصر فقط.لاحقًا، يأخذنا الفيلم إلى مشاهد صادمة من التاريخ الأوروبي الحديث،لا تُذكر فيها الأماكن بأسمائها، لكن الكاميرا تقول ما لا يحتاج تسميةأفران، ثيابٌ مُلقاة بلا أصحاب، حقائبُ تحمل أسماء لا تعود لأحد، أسوارٌ طويلة، وجنودٌ بلا وجوه…كلها ظلال لما يمكن أن تفعله السلطة حين لا تجد من يقف ضدها.الصورة هنا أبلغ من التسمية، لأن الجريمة حين تُرى لا تحتاج إلى اسم.في تلك اللحظة، يصل كيلي إلى مرحلة مواجهة النفس وإعادة تقييم الأشياء،فيتحوّل الصراع داخله من (شرف المهنة، سرية الطبيب، حياد العلم)إلى خيارٍ أصعب، (الولاء للوطن)فيقرر أن يبوح بالأسرار للمدعي العام،ويكشف له استراتيجية غورينغ في الدفاع، لأن كلا الرجلين يعتقد أنه فعل ما فعل من أجل الوطن…لكن الفرق بينهما أن أحدهما يدافع عن وطنهوالآخر برّر القسوة باسم الوطن حتى سقط الوطن نفسهفي المحكمة، يردّد غورينغ خطابه الألماني المؤلم، بجرأة رجلٍ لا يزال يؤمن أن التاريخ سيمنحه صيغةً أخرى لو كان هو المنتصر Steht auf, ohne Angst. Wir sind Männer, die ihrem Vaterland gedient haben, nicht mehr und nicht wenigerوترجمتها كما وردت في الفيلم”قفوا بلا خوف، نحن رجال خدمنا الوطن، لا أكثر ولا أقل.”غورينغ في هذا المشهد لا يريد الدفاع عن نفسه فقط، بل يريد الدفاع عن صورته،يريد أن يقول إنه ليس مثل الآخرين:لا يقف حين يقفون، ولا يجلس حين يجلسون،كأنه يؤمن أن السلطة التي كان يخدمها كانت قدرًا لنخبة لا خطيئة جماعية.لكن الطبيب، الذي تذكّر كلمات صديقه المترجم حين قال….(أتدري لمَ حصل ما حصل؟… لأنهم لم يجدوا من يقف ضدهم)يقرر أن يواجهه مواجهة شخصية أخلاقية،لا كمحلّل نفسي، بل كإنسانٍ يريد أن يعيد للتاريخ ميزانه،فيكشف أوراقه كاملة، لأن الحقيقة لم تعد مهنية، بل….ثأر إنساني لكل من سقطوا ضحايا منطق الحرب الشمولية الذي لا يعترف بالبشر، بل بالأهدافوفي النهاية، حين يُدان غورينغ، ويجلس محطمًا بلا كبرياء،أرى أمامي صورة الطغاة كما تتساقط دومًا حين تنكشف حقيقتهم ومقولة أحد عظماء التأريخ بدون ذكر الاسم..(قد فكّرت في أمر الطغاة كثيرًا… ووجدتهم في النهاية، كلهم يتساقطون، بلا استثناء)أداء Russell Crowe لا يقلّ عن كونه تقمّصًا دراميًا عظيمًا،بينما قدّم Rami Malek أحد أكثر الأدوار النفسية عمقًا واتزانًا في مسيرته.فيلم Nuremberg ليس مجرد فيلم عن محكمة، بل عنكيف يُصنع الوحش داخل المنطق، لا داخل الفوضىكيف يمكن للخطاب أن يبدو مؤمنًا حتى وهو يدافع عن الهاويةكيف يكتب المنتصرون التاريخ، لكن السينما العظيمة تكتبها الإنسانيةكيف يسقط الطغيان… لأن أحدًا لم يقف ضده في لحظة صعودههذا الفيلم لا يعيد تمثيل نورنبيرغ فقط، بل يعيد طرح السؤال الأخلاقي الأبديهل يمكن فهم الطاغية دون أن نمنحه فرصة تبرير نفسه؟وبرأيي، كانت الإجابة واضحةيمكن فهمه… لكن لا يمكن غفرانه. # العبارات المترجمة من الألمانية للعربي، هي ترجمتي المتواضعة # مناف.

#سينما العالم

#مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم