شهدت منحدرات “دوفر” البيضاء عام 1660 مشهداً احتفالياً صاخباً أنهى سنوات الصمت. إذ رست السفينة الملكية حاملة “تشارلز الثاني” عائداً من منفاه الطويل، ليستقبله الشعب الإنجليزي (الذي أنهكه حكم الجنرالات الصارم) بطوفان من الزهور وقرع الأجراس. دخل الملك لندن في عيد ميلاده الثلاثين، معلناً بداية حقبة “الاستعادة”، التي تميزت بردة فعل ثقافية واجتماعية عارمة ضد التزمت الديني السابق. أُعيد فتح المسارح التي أغلقت لسنوات، وسمح للنساء بالتمثيل لأول مرة، وعادت الموسيقى والأزياء الملونة لتملأ الشوارع، ليحصل تشارلز على لقبه الأثير “الملك المرح” (The Merry Monarch)، الذي بدد كآبة الجمهورية بحفلاته الصاخبة وحياة البلاط المتحررة.ورغم العفو العام الذي أصدره الملك لتهدئة البلاد، استثنى تشارلز قائمة محددة من الرجال: قتلة والده. طاردت السلطات الملكية “قتلة الملك” الذين وقعوا على وثيقة إعدام “تشارلز الأول” بلا هوادة، ونفذت فيهم أحكام الإعدام العلنية المروعة. وتجاوز الانتقام حدود الأحياء ليطال الأموات. إذ نُبش قبر “أوليفر كرومويل” في الذكرى الثانية عشرة لإعدام الملك الأب، وسُحبت جثته المتحللة في الشوارع لتُشنق في مشنقة “تايبرن” أمام الشعب، قبل أن يُقطع رأسه ويوضع على رمحٍ أمام قاعة وستمنستر، ليبقى هناك معروضاً لعقود كتحذير لكل من تسول له نفسه تحدي الدم الملكي.واجه البيوريتانيون، الذين كانوا سادة البلاد بالأمس القريب، واقعاً جديداً اتسم بالتهميش والملاحقة القانونية. أصدر البرلمان الملكي الجديد حزمة تشريعات عرفت بـ “قانون كلارندون”، صممت خصيصاً لكسر شوكتهم وإقصائهم عن الحياة العامة. فرضت هذه القوانين الصارمة طقوس الكنيسة الإنجليزية الرسمية على الجميع، وحرمت القساوسة البيوريتانيين الرافضين من منابرهم، ومنعتهم من التدريس أو نيل الدرجات الجامعية، بل وحظرت عليهم الاقتراب مسافة خمسة أميال من المدن الكبرى، مما حولهم إلى مجرد طائفة منشقة تمارس شعائرها في الخفاء أو في الريف المعزول.وفي خضم هذا الصراع السياسي، واجه عهد تشارلز الثاني اختبارين زلزلا العاصمة. “الطاعون العظيم” عام 1665 الذي حصد أرواح الآلاف، تلاه “حريق لندن الكبير” عام 1666 الذي التهم المدينة. سارع البيوريتانيون المضطهدون إلى تفسير هذه الكوارث تفسيراً لاهوتياً، معتبرين إياها “غضباً إلهياً” وعقاباً مباشراً من السماء على فساد البلاط، ومجون الملك، وانتهاك حرمة يوم الرب، ورأوا في ألسنة اللهب التي أكلت الكاتدرائية دليلاً على فساد الكنيسة الرسمية، متمسكين بإيمانهم بأنهم “الفرقة الناجية” وسط بحر الخطايا. استقرت إنجلترا تحت حكم تشارلز الثاني كدولة ملكية أعادت ترتيب أوراقها، دافعةً بالتيار الديني المتشدد إلى الهامش الاجتماعي والسياسي، ودافعةً بالعديد من أفراده لركوب البحر مرة أخرى نحو “نيو إنجلاند” في أمريكا، حيث وجدوا المساحة الكافية لبناء مجتمعهم المثالي بعيداً عن ضحكات الملك ومراسم الكنيسة الرسمية…# حقبة تاريخ# مجلة ايليت فوتو ارت.


