يُعدّ الغلوون أحد أعمدة البناء العميق للعالم الذري،لانه ليجعل من النواة الذرية كيانًا متماسكًا يقاوم الانفصال

منشور علمي بحت — وجب التنويه

الغلوون، ذلك الجسيم العجيب الذي لا يمكن رؤيته أو عزله، يُعدّ أحد أعمدة البناء العميق للعالم الذري، فهو المسؤول عن ربط الكواركات داخل البروتونات والنيوترونات، ليجعل من النواة الذرية كيانًا متماسكًا يقاوم الانفصال. اكتُشف وجوده نظريًا في سبعينيات القرن العشرين عندما حاول العلماء فهم طبيعة القوة النووية الشديدة، تلك القوة التي تفوق في شدتها قوة التجاذب الكهروستاتيكي بأضعاف هائلة، ومع ذلك لا يظهر أثرها إلا في أعماق النواة الصغيرة التي لا تتجاوز أجزاء من الفيمتومتر.الغلوون لا يمتلك كتلة تُذكر، ولا شحنة كهربائية، لكنه يحمل ما يُعرف بـ “شحنة اللون”، وهي خاصية كمية لا تشبه الألوان التي نراها بالعين، بل تمثل حالات مختلفة من التفاعل بين الكواركات. هذه الشحنات الثلاث الأساسية — الأحمر والأخضر والأزرق — تتفاعل بطريقة تجعل كل بروتون أو نيوترون في النهاية عديم اللون، أي متعادلًا من حيث شحنته اللونية، تمامًا كما يتعادل الضوء الأبيض الناتج عن مزج الألوان الثلاثة المرئية.أحد أكثر الأمور غموضًا في عالم الغلوونات هو ظاهرة “الاحتباس اللوني”، إذ لا يمكن لأي كوارك أو غلوون أن يوجد بمفرده في الطبيعة. فالقوة التي تربط بينها لا تضعف كلما ابتعدت الجسيمات عن بعضها، بل تزداد شدتها حتى تصل إلى مرحلة تُنتج فيها أزواجًا جديدة من الكواركات والغلوونات قبل أن يُسمح لأي منها بالتحرر. ولهذا السبب لم يُرصد الغلوون مباشرة قط، بل يُعرف فقط من خلال أثره في تجارب تصادم الجسيمات عالية الطاقة، حيث تظهر أنماط معينة من الجسيمات الثانوية تشير إلى حضوره الخفي.ومن خلال النموذج المعياري لفيزياء الجسيمات، يُعتبر الغلوون حاملاً للقوة النووية الشديدة كما يحمل الفوتون القوة الكهرومغناطيسية. لكنه يختلف عن الفوتون في خاصية جوهرية: فبينما لا يتفاعل الفوتون مع نفسه، فإن الغلوونات تتفاعل مع بعضها البعض، مما يجعل حسابات ميكانيكا الكم في هذا المجال بالغة التعقيد وتؤدي إلى سلوكيات مدهشة كتكوّن البلازما الكواركية-الغلوونية عند درجات حرارة وكثافات هائلة، وهي الحالة التي يُعتقد أن الكون وُجد فيها في لحظاته الأولى بعد الانفجار العظيم.إن الغلوون لا يربط فقط الكواركات داخل الجسيمات، بل يربط التاريخ الكوني نفسه بمصدره الأول. فمن خلال فهمنا له، نحاول سبر طبيعة القوة التي حفظت النظام داخل الفوضى الأولى، ومنحَت المادة شكلها واستقرارها. إنه الجسيم الذي لا يُرى ولا يُمسّ، لكنه يحكم البنية العميقة لكل ما هو مادي، رابطًا العوالم الذرية بخيوط من طاقة لا تنفصم، كأنه النسيج الخفي الذي يحوك الكون في صمت تام… #اقرا # الفيزياء للجميع # الكون من حولنا# مجلة ايليت فوتو ارت.

أخر المقالات

منكم وإليكم