الريحاوي والقلعة..
سعد القاسم
عن عمر يقارب التسعين سنة، رحل عن دنيانا الدكتور عبد القادر الريحاوي بعد أن أمضى ثلث عمره في «المديرية العامة للآثار والمتاحف»، وجله في العمل العلمي الأثري، مكرساً نفسه بحكم جهد مديد، واحداً من رعيل الأثريين العرب الكبار، ممن كانت لهم مساهمة واسعة في البحث وحماية التراث الأثري،
والذين أغنوا المكتبة العربية ببحوثهم، ومؤلفاتهم القيمة..
تعود معرفتي بالراحل إلى عام 1987، وقد بقيت من جانب واحد إلى سنوات عديدة تالية . ففي ذلك العام كلفت من قبل هيئة تحرير «الثورة» بإعداد تحقيق عن قلعة دمشق التي كان قد صدر قرار قبل عامين بإخلائها كسجن، وتسليمها إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف،لتوظيفها كموقع ثقافي، حيث بدأت فعلياً عملية ترميمها، وكشف أسوارها، وإعادة بناء بعض ما تهدم من أبراجها، وخاصة برج الزاوية الجنوبية الغربية المجاور لمدخل «سوق الحميدية».. وكنت مصمماً على معرفة كل ما يتعلق بالقلعة، وخاصة تاريخ بنائها، وتصميمها،وما مر عليها من أحداث، قبل الشروع بالعمل المكلف به،والالتقاء بالمشرفين على عملية الترميم.واستلزم هذا الاطلاع على عدد من الكتب كان أهمها على الإطلاق كتاب «قلعة دمشق» للدكتور عبد القادر الريحاوي الصادر عن وزارة الدفاع في دمشق عام 1979.
يلفت النظر في كتاب الدكتور الريحاوي شموليته، ومنهجه العلمي البحثي والتوثيقي والتحليلي،المدعم بالخرائط والصور. فقد نفى – على سبيل المثال – النظرية التي تقول إن أصل القلعة حصن روماني اعتماداً على وجود نقوش رومانية على بعض حجارتها، مستنداً إلى حقيقة أن القائلين بهذه النظرية لم يقدموا ما يعززها، واعتماداً على ما يظهره الواقع القائم، والتنقيب الأثري.وقد أكد عالم الآثار الفرنسي «سوفاجيه» ما ذهب إليه الدكتور الريحاوي،حين قال: «إن الأمر ليس أكثر من حجارة أعيد استعمالها». وفي موقع آخر يشككك ،دون أن ينفي، بالآراء التي تتحدث عن وجود برج ثالث في منتصف الواجهة الغربية للقلعة (المطلة على شارع النصر)،ذلك أنه حين أنجز كتابه لم يكن ثمة أثر لهذا البرج، لكنه مع ذلك يترك الرأي الحاسم للأيام القادمة فقد تثبت خلاف ما يرى، وهو ما حصل فعلاً حين تم اكتشاف أساسات (البرج المفقود) بعد إزالة «سوق الخجا»، وكشف جدار القلعة الغربي..ويوم حدثته بالأمر، حين عاد إلى دمشق بعد سنوات، لم يجد حرجاً في عدم انتصاره للرأي الذي أثبتت الأيام صحته، لافتاً إلى أن المعطيات التي كانت بين يديه، حينذاك، لم تكن لتسمح بأن يعطي رأياً جازماً في أي من الاتجاهين..
الريحاوي الذي أعطى شطراً كبيراً من اهتمامه البحثي، والعملي لمدينة دمشق،ولد في حلب عام 1925، غير أنه ترعرع في دمشق، وحصل فيها على الثانوية العامة، ليلتحق من بعدها بكلية الآداب في جامعتها وينال إجازة جامعية من قسم التاريخ في عام 1950،ثم ليعمل مدة ثلاثين سنة متواصلة في «المديرية العامة للآثار والمتاحف» كمسؤول عن الآثار وحماية التراث العمراني والمعماري، حصل خلالها على الدكتوراه في العمارة الإسلامية عام 1977،وكانت أساس كتابه الهام «العمارة العربية الإسلامية» الذي أصدرته له وزارة الثقافة في دمشق عام 1979،والذي يعد واحداً من أهم المراجع في موضوعه. كما كتابه «العمارة في الحضارة الإسلامية» الذي حصل عام 1991 على الجائزة الأولى في التأليف من منظمة المدن والعواصم الإسلامية الدولية. وبعد مغادرته «المديرية العامة للآثار والمتاحف» عام 1980،عمل أستاذاً لتاريخ العمارة الإسلامية والعمارة العالمية في كلية الهندسة في مدينة «جدة» مدة خمسة عشر عاماً، أسهم خلالها في تعريب العلوم، و تحكيم العديد من المؤلفات والبحوث بتكليف من جامعات مختلفة، ومؤسسات علمية، ومجلات محكٍمة. وعند عودته إلى دمشق اهتم بشكل أساسي بموضوع حماية المدينة القديمة، ووضع خطة لصيانة تراثها، وشغل عضوية «اللجنة العليا لحماية دمشق القديمة» ثم سكرتارية «المجلس الدولي لتطوير المدينة».
رغم الاهتمام الكبير الذي خص به دمشق وعمارتها التاريخية،لم يكن اهتمامه مقتصراً على الاهتمام بحفظ التراث في «دمشق القديمة». ففي عام 1964 قصد الشمال السوري لاستقصاء مواقع المدن القديمة التي ستغمرها مياه «بحيرة الأسد»، حين إنشاء «سد الفرات»،وإثر رحلته الاستكشافية تلك تم الكشف عن ثلاثة وثلاثين موقعاً أثرياً، أعد عنها دراسات نشرت في مجلة «الحوليات الأثرية السورية» وساهمت في انطلاق أعمال تنقيب أدت بدورها إلى اكتشافات حضارية وأثرية هامة.
برحيل الدكتور الريحاوي نفقد اسماً علماً في مجال البحث الأثري، غير أنه يبقي لنا بحوثاً ودراسات ستبقى مرجعاً علمياً موثوقاً لكل معني بالتراث المعماري في منطقتنا..
http://thawra.alwehda.gov.sy/_View_news2.asp?FileName=9759330120140818210110


