يكتب نهايته العصر الرقمي..واسألوا روايات الخيال العلمي .- مشاركة: نعيمة عبد الجواد.

العصر الرقمي يكتب نهايته… واسألوا روايات الخيال العلمي!
 
نعيمة عبد الجواد

كتب وروايات وأفلام الخيال العلمي تحظى مؤخَّرًا باهتمام شديد، ولها العديد من المعجبين والقرَّاء، الذين إمَّا يعتقدون أنها نبوءات عن المستقبل، أو أنها مادة خصبة لإعمال الخيال وتفعيل الإحساس بالنشوة لمن يقبل على هذا اللون من الكتابة الأفلام، التي تمزج العوالم الخفية وتأتي بأخبار أمم لا يعلم عنها البشر شيئًا. حينئذٍ تتحوَّل النشوة إلى فضول، ويبدأ الإنسان في البحث والدِّراسة من أجل تقفّي أصول هذا الخيال ومعرفة المزيد عن المستقبل.
وفي الوقت الحالي، ربما الاهتمام المتزايد بالألوان الفنية التي تتناول موضوع الخيال العلمي ينجم من تحقيق أكثر من 90% من النبوءات التي تناولها كتب الخيال العلمي في العصر الذهبي لهذا الجنس الأدبي، الذي امتد من نهاية خمسينيات القرن الماضي إلى مستهل سبعينيات القرن ذاته. والغريب أن تلك النبوءات أصبحت بمثابة مرجع شعبي هام لعشرات السنوات. أمَّا ما يثير الدهشة أكثر أنّ الأجيال الشَّابة بدأت تنقِّب من أجل معرفة المزيد عن أدق التفاصيل لنشأة هذا الجنس الأدبي، الذي كتبه وحرره أفراد، لكنه أصبح بمثابة مراجع علمية ونبراس لا تنطفئ جذوته لكل العلماء ومحبي المعرفة.
وبالتمحيص، ثبت بالأدلة العلمية والتاريخية أن جذور الخيال العلمي ضاربة في عمق التَّاريخ. وكان من المذهل معرفة أنه نشأ في شكل جنسين منفصلين تمامًا، فكان هناك الجانب العلمي، وعلى الطرف الآخر نشأ جانب الخيال، وانتقل من حضارة لأخرى ليمزج في بادئ الأمر باستحياء الخيال بالعلم، إلى أن أصبح جنساً معترفاً به وله عشَّاقه.
ولقد ظهر الجانب العلمي الذي كان، ولا يزال، أغرب من الخيال في الحضارة المصرية القديمة التي مازالت تدهش كلّ كبار العلماء على المستوى العالمي، والتي استطاعت نسج حضارة محكمة سجنتها في سراديب فكرية ومبان ملغزة وبرديات فيما أشبه بالمتاهة التي لا يستطيع العالم الرقمي وأجهزة الذَّكاء الاصطناعي أن تفك شفرتها. ومن ثمَّ، أصبح العلماء هم من يضيفون عنصر الخيال لعلوم هذه الحضارة، في محاولة منهم لاكتشاف تطوُّرهم المذهل، الذي اكتشف ظواهر لم يكتشفها أرقى العلماء إلَّا مؤخَّرًا، أو لم يكتشفوها بعد. ومن المحبط لأي عالم أن يحاول تلمّس بعض المعرفة التي توصَّلت لها الحضارة المصرية القديمة من نقوش لا تزال مبهمة على جدران معابد لا تطأها سوى أقدام الخاصة من رجال العلم، أو من برديات تمّ اقتناصها من المعابد والقبور الملكية إبَّان الحقب الاستعمارية، ولا تزال هذه البرديات حبيسة جدران منيعة لا يطَّلع عليها سوى فئات علمية خاصة ومحدودة.
ولو كان العلماء والعامة في كل زمان ومكان قد أضافوا عنصر الخيال لعلوم الحضارة المصرية القديمة ذات التقدُّم رفيع المستوى، فعلى الجانب الآخر، اهتمت الحضارات الأخرى بالخيال الذي إمَّا تشوبه بعض العلوم، أو خيال خالص. ويرى الدَّارسون ومحبو اللون الأدبي الذي يُطلق عليه «الخيال العلمي» أن نشأته ظهرت بوادرها في الأساطير الإغريقية الشهيرة، التي تحكي عن الآلهة والصعود إلى السماء، والاستقرار داخل البحار والمحيطات، والسفر على ظهر الحصان المجنَّح، «بيغاسوس» Pegasus، الذي أصبح الدَّابة المخلصة للإله «زيوس» Zeus. بيد أنه عندما نحاول تفسير خواص هذا المخلوق على أسس حديثة، نلاحظ أنه مزيج من الطائرة والصاروخ. وهناك أيضًا الإنسان الذي تشبه خصائصه «السايبورغ» Cyborg، المأمول صنعه في الألفية الثالثة، ألا وهو هرقل Hercules، ذاك النصف آدمي، الذي لم يولد من رحم أنثى، بل من فخذ والده الإله «زيوس»، الذي منحه قوَّة جبَّارة يتفوَّق بها على أقوى البشر.
وبالنسبة للدَّارسين، البداية الحقيقية لأدب الخيال العلمي ظهرت في حضارة ما بين النهرين في العراق، وبالتحديد، إبَّان الحضارة الأشورية في أسطورة «جلجامش»، التي تناولت الرحلة لعالم المجهول، وكذلك الوصول لنهاية الأرض، والتعريف بتفاصيل قصة الطوفان العظيم، والبحث عن نَبْتَة الخلود. وأخيرًا التوكيد على أنَّ الخلود الحقيقي يكمن في العلم وتشييد الحضارات.
وتم المزج الكَّامل بين العلم والأسطورة في شكل أدبي في الشعر الهندوسي في ملحمة «رامايانا» Ramayana التي كتبت تقريبًا بين القرنين الرَّابع والخامس الميلادي. وفيها تم وصف سفينة «فيمانا» Vimana التي تطير في السماء، ولها القدرة على الغوص في البحار وتدمير مدن بأكملها. وكذلك في أشعار الكاتب والشَّاعر الإنجليزي «جيفري تشوسر» Geoffrey Chaucer الذي توفي نحو عام 1400م، ولم يستطع أحدهم تحديد تاريخ مولده.
وأمَّا حكايات «ألف ليلة وليلة»، فقد تضمَّنت العديد والعديد من مظاهر الخيال العلمي، التي تمثَّلت في السفر عبر الأزمنة، والاختلاط بعوالم أخرى، وأيضًا زيارة ممالك تحت البحار بها مخلوقات عاقلة، أو وجود سجَّادة طائرة يمكن السفر والترحال بها من مكان لآخر. وفي أحد الحكايات، كان الغريب وصف آلة ميكانيكية لها قدرات خاصة، تشابه تمامًا الروبوت في العصر الحديث. بل والمذهل، وصف آلات ميكانيكية أخرى تتطابق و»الروبوت الهيومانويد» (أو البشري المظهر) Humanoid Robots الذي تم اختراعه مؤخَّرًا.
وفي حضارة الشرق القديم، لم تقتصر حكايات الخيال العلمي على كتاب «ألف ليلة وليلة» فقط، بل أيضًا ظهرت في الرِّواية الدينية وكتب العالم الإسلامي «ابن النَّفيس» الذي مزج فيها العلوم من الطب والفلك والرِّياضيَّات والتشريح والجيولوجيا مع استشرافه بالمستقبل والحياة بعد الموت وقصَّة البعث. وتميَّزت روايته بالطابع الديستوبي الذي يشير إلى أن التقدُّم الشديد هو البوَّابة الكبرى لهلاك البشرية.
لكن البداية الحقيقية لقصص الخيال العلمي تعدّ بداية من القرن السَّابع والثَّامن عشر، والتي مزجت الاكتشافات العلمية القائمة بالخيال الجَّامح، وتبلورت في شكل قالب مكتمل الأركان بعد الثورة الصناعية الأولى التي لمس فيها الإنسان الميكنة وقدراتها المذهلة. وتعدّ الأمّ الحقيقية لأدب الخيال العلمي التي أفرزت من رحمها هذا اللون الأدبي هي الكاتبة الإنجليزية «ماري شيلي» Mary Shelley (1797-1851) في رائعتها الخالدة «فرانكشتاين» Frankenstein (1818)، التي كانت ولا تزال مصدر إلهام حقيقي سواء للأدباء أو العلماء، على حدٍ سواء، بالرغم من أنها كُتِبَت في نهاية العقد الأوَّل من القرن الثَّامن عشر. ولقد ناقشت الرواية فكرة خلق آدمي من عدم، وكذلك معضلة الخلود، التي لطالما بحث عنها كتَّاب الخيال العلمي الأوائل، ولا سيَّما في أسطورة جلجامش وحكايات «ألف ليلة وليلة». ولهذا، يمكن أن نجزم أن الروَّاية كانت نبوءة لما يقوم به العلماء في الوقت الحالي من محاولات لاستنساخ البشر واستحداث «روبوت هيومانويد» بوعي آدمي، بل وزرع خلايا عصبية بشرية بداخله، كمحاولة منهم لتزويده بعقل مفكِّر يضاهي العقل البشري. والفريد أن رواية «فرانكشتاين» كانت تهتم بمناقشة الجانب الإنساني، وتصف تبعات إحداث خلل في المنظومة البشرية، وهذا بالفعل ما يفكِّر فيه بعض العقلاء من العلماء في الألفية الثَّالثة.
وكانت الثورة الكبرى في هذا اللون الأدبي المستحدث، ظهور الكاتب الفرنسي الأسطورة «جول فيرن» Jules Verne (1828-1905) الذي دمج بالفعل العلم بالخيال الأدبي. فقد كان يهتم بتضمين الحسابات الهندسية والفزيائية، وكذلك العلوم الفلكية في جميع رواياته التي تتحدث عن المستقبل واكتشافات واختراعات ورحلات إلى عوالم أخرى سواء في باطن الأرض أو في أعماق المحيطات والبحار، أو حتى في الفضاء. وبلغ به الحذق أنّ حساباته، وخاصة الرياضية والفلكية، أثبت العلماء أنها تقارب حساباتهم الدقيقة لأجسام في الفضاء الخارجي، علمًا أنهم توصَّلوا لتلك الحسابات في بداية الألفية الثالثة؛ ما يعني أن «جول فيرن» كان يكتب وكأنه يرى المستقبل، أو حتى يعيش فيه. بيد أنه لم يحظ بالاهتمام أو الاحترام الأدبي الذي يستحقه؛ والسبب المحتمل أن القرَّاء حينئذٍ لم يستوعبوا تلك الجرعة المكثَّفة من العلم الخالص الممزوج بالخيال الجامح.
واتَّخذت روايات الخيال العلمي طابعًا تقبَّله أكثر الجمهور واحترمه في روايات الكاتب الإنجليزي «جورج هيربرت ويلز» H. G. Wells (1866-1946)، الذي حرص في رواياته ذات الطَّابع الديستوبي على التحذير من مستقبل متهالك ينتظر البشر؛ بسبب الاعتماد الكَّامل على آلات، والارتكان الكلي على جهات أعلى، وترك جميع مقاليد الأمور في أيديهم. وكانت العاقبة أن البشر في المستقبل تحوَّلوا لدمى بشرية لا عقل لها ولا منطق، مما سهَّل على وُلاة الأمور التلاعب بهم، وأخيرًا تحويلهم لحيوانات داجنة لا تصلح إلَّا للتغذِي وإجراء التجارب عليها. ومن الجدير بالذكر أن هذا اللون من الروايات التي تمزج بين الواقع والعلم لم تحظَ بتصنيفها الذي صار حاليًا مألوفًا واسمه «الخيال العلمي» إلَّا من خلال رئيس التحرير والنَّاشر اللوكسمبورجي الأصل الأمريكي الجنسية «هوجو جيرنزباك» Hugo Gernsback (1884-1967) الذي أسس وطبع ونشر أوَّل مجلة متخصصة لأدب الخيال العلمي وأطلق عليها اسم: «قصص مذهلة» Amazing Stories.
وبالرغم من الجهود الحثيثة لكتَّاب الخيال العلمي، لكنَّهم لم يُقابلوا بالاحترام المناسب لهذا اللون الأدبي الذي يرسم المستقبل. فلقد أحجم الناشرون عن طباعتها في شكل كتاب مثل أي رواية أخرى. ومن ثمَّ، أصبح متنفَّس روايات الخيال العلمي الذي يضيء لها الطريق ويخرجها للنور هو المجلَّات التي كانت تنشر الروايات الخاصة بالخيال العلمي في شكل حلقات مسلسلة.
عملية تأليف روايات الخيال العلمي تتطلَّب قدرات خاصة، ومؤلفين لديهم الشجاعة الكافية للتحذير من مستقبل ينحدر للقاع فور ما يصل إلى ذروة التقدُّم. ومثلما رسم هؤلاء شكل المستقبل، تم تحقيق العديد من تلك الاختراعات والاكتشافات التي ننعم بها في الوقت الحالي.
دون أدنى شكّ، سوف يتم تحقيق باقي الاختراعات عمَّا قريب. بيد أنَّ اللافت للنظر أن أغلب تلك القصص لم تتحدَّث عن عصر رقمي، بل عمَّا سيحدث بعد العصر الرقمي، وهذا بالفعل الواقع الحالي الذي بدأ فيه الحديث عن مناقب الرقميات يندثر تماماً، وتم استبداله منذ عام 2022 بالحديث عن الذكاء الاصطناعي وتطوُّراته المتسارعة، التي جعلت خيال كتَّاب الخيال العلمي الأوائل، وروايات العصر الذهبي لذلك الجنس الأدبي المستحدث، التي كتبت ونشرت بتدفُّق ملحوظ منذ نهاية خمسينيات القرن العشرين، واقعاً ملموساً.
قديمًا، كان يلجأ البشر للسحرة والمستبصرين لمعرفة ما سوف يحدث لهم في المستقبل، بيد أن الكتَّاب فيما يبدو، لديهم قدرات تفوق كل هؤلاء؛ لأنهم يرون ويصفون تفاصيل المستقبل، سواء من الجانب التكنولوجي أو الإنساني، بدقَّة شديدة وكأنّ كل واحد منهم قد سافر بروحه للمستقبل البعيد، ليؤوب ومعه نبوءة وتحذير. لكن ما من نبي مُكرم في أرضه، ولا يتعلَّم البشر إلَّا بعد فوات الأوان.
.

***&***
– المصادر:
– موقع :حلول
– موقع الشرق الاوسط
– موقع إرم نيوز: https://www.eremnews.com
– موقع: مهرجان القاهرة الدولي للكتاب
– 360  : دمشق سوريا
– مجلة عقول
– موقع VietNamNet
– موقع عمان
– موقع اكسبوجر
– صفحة الإتحاد العربي للثقافة
– موقع البيان
– موقع : هيبا www.hipa.ae
– موقع الجريدة
– موقع: جامعة الزهراء
– موقع: سانا السوري
– المجلة الجزائرية الثقافية
دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)
– مجلة كل الأسرة
– مجلة: الرافد الإماراتية
– موقع وكالة سانا السورية
– موقع : إرم نيوز www.eremnews.com
– موقع مجلة : الحرف والكلمة
– نادي الكتاب اللبناني
– الإتحاد العربي للثقافة
– صفحة المواهب الفوتوغرافية
– موقع :Role- بي بي سي
موقع : عالم التقنية
https://p.dw.com- موقع ألمانيا
– المصدر: https://dantri.com.vn
– موقع عكاظ
– موقع الشرق الاوسط
– موقع رؤية
– جائزة هيبا www.hipa.ae
– موقع الإمارات اليوم
مواقع تواصل إجتماعي – ويكيبيديا.
– موقع: ويب طب www.webteb.com
– موقع اليوم السابع
– العربية.نت
– موقع الجزيرة.نت
موقع : مصراوي
موقع: إيليت فوتو آرت
https://elitephotoart.net
– مواقع: الصحافة الأجنبية .

أخر المقالات

منكم وإليكم