مؤسس مدرسة علم النفس اليابانية شوما موريتا يقول:(إن الراحة لا تعني إيقاف العمل، بل تحويل مساره.) مفهوم “الراحة الإيجابية” كما سماه؛ وهو أن لا نتوقف عن العمل كلياً عند الشعور بالإرهاق، بل ننتقل إلى نشاط آخر لإنعاش العقل والجسد.فإذا أرهقك العمل الذهني، حرك جسدك. وإذا استنزفتك العلاقات الاجتماعية، اعمل بيدك وحيداً. وإذا أتعبتك صياغة الكلمات، استمع إلى الموسيقى. إن إراحة مسار عصبي معين تتطلب تشغيل مسار آخر، وهذا هو الجوهر الحقيقي للراحة حسب موريتا. وتكتسب هذه الفكرة أهمية بالغة لمن يعانون من ميول اكتئابية أو صعوبات في التكيف؛ إذ إن البقاء دون حراك غالباً ما يوقعهم في فخ التفكير المفرط والاجترار الذهني، مما يستنزف طاقاتهم بشكل مضاعف بدلاً من تجديدها.هذا المفهوم العميق وُلد من رحم المعاناة. شوما موريتا المولود عام 1874 كان شاباً يعاني من نوبات هلع مزمنة ووساوس قهرية تجعله أعتقد بأنه سيموت، وكادت تدمر مستقبله أثناء دراسته للطب في جامعة طوكيو الإمبراطورية.لكن في لحظة يأس، اتخذ موريتا قراراً قلب مسار الطب النفسي؛ قرر أن يتوقف عن تناول الأدوية لمحاربة قلقه، وتخلى عن محاولات الشفاء. قال لنفسه: سآخذ قلقي معي، وسأعمل حتى أسقط.انغمس في دراسته، وبدلاً من أن يموت، تفوق، وتلاشت أعراضه. أدرك موريتا حينها أن العقل الذي يغوص في تحليل مخاوفه يضاعفها، وأن العلاج الحقيقي يكمن في الفعل وليس في الشعور.أسس مدرسته التي تعتمد على الصمت، الانخراط في الواقع المادي، والعمل اليدوي، كبديل حاسم لمدرسة التحليل النفسي الغربية التي كانت تضيع وقت المريض في ثرثرة لا تنتهي حول صدمات الطفولة، لأن الياباني مولود في بيئة تقدس العمل وتحث عليه، وعندما توقف عن العمل يشتغل لديه تأنيب الضمير، وتزيد مشاكله النفسية، لذلك حله النفسي ونظرياته مناسبة لمجتمعه.كان مشروع موريتا هو توطين العلوم النفسية في اليابان.فلم يرفض النظريات العالمية بحجة اختلاف البيئة، ولا في استيرادها كلصق أعمى. ذكائه يكمن في ممارسة الهندسة العكسية على نظريات علم النفس.الزبدة تفكيك النظريات سواء كانت نظرية موريتا في قمع الاجترار الذهني بالعمل، أو حتى قواعد الإدارة الألمانية إلى فكرتها الأولية، وتجريدها من قشرتها الثقافية الأجنبية، ثم استخلاص نواة الفعالية الصلبة وإعادة تغليفها بسياق محلي يجعلها قابلة للهضم والتطبيق.#على دروب الفلسفة# مجلة ايليت فوتو ارت…


