اللغة حين تُعاد هندستها تنقل العقل من مواجهة العالم إلى مواجهة الصورة التي صُنعت له عن العالم…….
كلُّ دلالةٍ تُنتزع من جذرها لا تفقد ماضيها وحده، بل تفقد الشرط الذي كان يمنحها حقَّ الانتماء إلى المعنى قبل أن تُعاد صياغتها في حقلٍ آخر. فاللفظ لا يغادر موضعه الأول كما يغادره الشيء المنفصل عن تاريخه، ولا يستقر في موضعٍ جديد إلا وقد أُعيد ترتيب طبقاته على مقتضى الحقل الذي استقبله. وما إن تدخل الكلمة في حقل استعمالٍ جديد حتى يبدأ هذا الحقل في طمس الطريق الذي جاءت منه، لا لأنه قادر على إلغاء أصلها، بل لأنه لا يقبلها إلا بعد أن يخفّف فائضها الأول، ويجعلها صالحةً لوظيفةٍ لم تنشأ لها في طبقتها الأولى. عندئذ لا يعود الخلل في الكلمة، بل في الحقل الذي أعاد تجنيدها، ثم عاملها كما لو أنها وُلدت داخله. وما يُقدَّم في الظاهر بوصفه اتساعًا طبيعيًا في المعنى قد يكون، في حقيقته، نقلًا موجّهًا للكلمة من شرطها الأول إلى وظيفةٍ لا تشبهه. فحين تُجرَّد الدلالة من الطريق الذي كوّنها، لا تعود أكثر نضجًا، بل أكثر قابليةً للاستعمال، وأقل قدرةً على الاحتفاظ بما كان يمنحها حياتها الأولى.
في هذا الموضع تظهر دلالة الذكاء بوصفها واحدةً من الكلمات التي حملت في العربية القديمة تاريخًا أعمق من استعمالها الحديث. لم تكن الكلمة، في أصلها، اسمًا لمعامل، ولا درجةً في سلّم التقييم، ولا حكمًا نفسيًا يُستدعى من الاختبار، ولا صفةً تقنيةً تُعلّق على آلةٍ أو مدينةٍ أو جهاز. كانت أسبق من ذلك كلّه، وأكثر التصاقًا بالحدّة، والوهج، والنفاذ، والتمام. كانت تخرج من النار حين تشتد، ومن الشمس حين تتوهج، ومن الصبح حين يولد من ضوئها، ومن الفؤاد حين يحدّ في إدراكه، ومن الرائحة حين تنفذ، ومن الطعام حين يبلغ نضجه سريعًا، ومن السنّ حين يبلغ تمامه. هذه ليست معاني متفرقة احتملها اللفظ بفعل المصادفة، بل طبقاتٌ متداخلة تدل على أن الكلمة كانت، في أصلها، تصف الشيء حين تبلغ قوته حدّها، فيكتمل من داخله، ثم ينفذ أثره إلى ما حوله.
غير أن العصر الحديث لم يأخذ الكلمة من هذا العمق، بل أخذها من قابليتها لأن تقابل مصطلحًا وافدًا intelligentia، ثم حمّلها وظيفةً جديدة داخل نظام التقييم والتصنيف. ومنذ تلك اللحظة بدأت تعيش حياةً مزدوجة، حياةً قديمةً تحفظ أثرها النوعي، وحياةً حديثةً تتحرك داخل الاختبار، والمعيار، والنتيجة، والمراتب التي تُرسم للإنسان باسم القدرة. وليس الخطر في هذا الانتقال وحده، بل في أن الاستعمال الحديث تصرّف كما لو أن الحياة الثانية ألغت الأولى، وكأن المعنى لا يملك حقَّ الاعتراض بعد أن ارتدى ثوب المصطلح.
هنا يبدأ اختبار المعنى في مادته نفسها. فالكلمة لا تُقرأ من أثرها الحديث، بل من طبقتها التي سبقت الاختبار والتصنيف. وتظهر هذه الطبقة أولًا عند الخليل بن أحمد الفراهيدي، واضع «كتاب العين»، حين يجعل الذكي سريع الفطنة، ويستعمله في القلب الذكي والصبي الذكي، ثم يردّ الذكاء أيضًا إلى تمام السن. ظاهر الأمر يوهم بانتقالٍ بين الفطنة والعمر، غير أن ما يجمعهما أعمق من هذا الظاهر. فالسرعة هنا ليست خفةً عابرة، بل أثر بلوغٍ داخلي، والذكي لا يلتقط المعنى لأنه أسرع حركةً فحسب، بل لأنه بلغ من التمام ما يجعل إصابته ممكنة.
ثم تأتي طبقة الأزهري، أبي منصور محمد بن أحمد، صاحب «تهذيب اللغة»، حين يردّ الذكاء إلى معنى الإتمام، ويجعل أصل الذكاء في اللغة تمام الشيء. هذه الإضافة لا تضعه في مواجهة ما سبق، ولا تنقل الجذر إلى معنى آخر، بل تكشف أن النفاذ لا يعمل عمله الكامل إلا حين يبلغ الشيء قوته التامة. فما لا يبلغ تمامه يبقى استعدادًا ناقصًا، وما يكتمل من غير نفاذ يبقى امتلاءً ساكنًا لا يعبر إلى أثر. بهذا يغدو الذكاء تمامًا فاعلًا، لا اكتمالًا جامدًا، وقوةً بلغت حدّها حتى استطاعت أن تعمل في ما حولها. النار لا تُقرأ هنا بوصفها بداية اشتعال، بل بوصفها اشتعالًا بلغ صورته. والقدرة لا تُقرأ بوصفها مقدارًا كامنًا، بل بوصفها قوّةً اكتملت حتى استطاعت أن تنفذ.
وعند أبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي القزويني، في «مقاييس اللغة»، يأخذ هذا الأصل صورته الأشد ضبطًا. فهو لا يذكر الذكاء، وذكَت النار، وذُكاء الشمس كألفاظٍ يجمعها بابٌ واحد فحسب، ولا يتعامل معها كمعانٍ متفرقة تشابهت أصواتها، بل يردّها، بمنهجه في القياس الذي لم يجتمع عليه أهل اللغة كلهم، إلى أصلٍ دلاليٍّ واحد يدل على حدّةٍ في الشيء ونفاذ. وفي عبارته المشهورة «الذال والكاف والحرف المعتل أصل واحد مطّرد منقاس يدل على حدّة في الشيء ونفاذ». بهذا لا تكون النار والشمس والفؤاد صورًا منفصلة، ولا شواهد موزّعة داخل مادةٍ معجمية، بل مظاهر مختلفة لحركةٍ واحدة تعمل في الجذر كله. فالذكاء في هذا الأصل حدّة الفؤاد، وذكاء النار اتقادها، وذُكاء الشمس توهجها. ليست النار في جهة، والشمس في جهة، والفؤاد في جهة، ثم تأتي اللغة لتجمع بينها من الخارج، بل تحتها حركة واحدة، لهبٌ يشتد، وضوءٌ يفرض حضوره، وفؤادٌ يعبر من سطح المعنى إلى موضعه الأعمق.
أما إسماعيل بن حماد الجوهري، صاحب «الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية»، فيشدّ هذه الطبقات في موضعٍ واحد حين يجمع بين حدّة القلب، واشتعال النار، وذُكاء الشمس. هنا لا يضيف معنى جديدًا إلى الأصل بقدر ما يجعل شبكة الجذر أكثر ظهورًا، فالقلب موضع الحدّة، والنار صورة الاتقاد، والشمس صورة الوهج المكتمل. بهذا لا يتحرك الذكاء في العربية القديمة كصفة عقلية معزولة، بل كقوةٍ واحدة تظهر في الداخل إدراكًا، وفي الخارج لهبًا وضوءًا.
ويلحق أبو هلال العسكري، صاحب «الفروق اللغوية»، بهذه الحركة حين يربط الذكاء بتمام الفطنة، مستندًا إلى ذكت النار إذا تمّ اشتعالها، وإلى تسمية الشمس ذكاءً لتمام نورها، وإلى التذكية بوصفها تمام الذبح. وعبارته الحاسمة، أن في الذكاء معنًى زائدًا على الفطنة، تفتح الفرق كله. فالذكاء ليس مطلق الفطنة، لأن الفطنة قد تكون سرعةً في الالتقاط من غير أن تبلغ غايتها، وليس مطلق الاشتعال، لأن النار قد تشتعل اشتعالًا ضعيفًا قبل أن يبلغ لهبها شدته. الذكاء هنا هو الفطنة حين تبلغ تمامها، كما أن النار لا تذكو حقًا إلا حين يبلغ اشتعالها حدّه. وهذا التمييز بين كيفٍ بلغ غايته وبين قدرٍ قابل للقياس هو بالضبط ما سيُمحى حين يُعاد تعريف الكلمة لاحقًا.
ثم يأتي ابن منظور، محمد بن مكرم الإفريقي، صاحب «لسان العرب»، فيقدّم أوسع توثيقٍ للمادة داخل المعجم العربي القديم. فهو لا يحصر الذكاء في معنى واحد، بل يجمع أطراف الشبكة كلها، شدّة وهج النار، وحدّة الفؤاد، والفهم التام سريع القبول، وسرعة الفطنة، والسن، واسم الشمس، و«ابن ذكاء» للصبح لأنه من ضوئها، والريح الذكي، والمسك الذكي، والتذكية، والمُذَكِّي. بهذا الجمع تبلغ الكلمة اكتمال شبكتها. لا يعود اللفظ محصورًا بين العقل والنار، بل يدخل في نظام كامل من الظهور. فشدّة وهج النار تكشف معنى الاشتعال، وحدّة الفؤاد تكشف معنى النفاذ في الإدراك، والفهم التام سريع القبول يكشف أن الذكاء ليس حفظًا متراكمًا ولا تعلمًا بطيئًا، بل قدرةٌ على استقبال المعنى بسرعةٍ لأنها بلغت تمامها. والسنّ لا يدخل بوصفه عمرًا مجردًا، بل بوصفه علامة على بلوغ القوة. والشمس تكشف الوهج، والصبح يكشف أثر هذا الوهج حين يظهر في بداية النهار.
ومن هذه الشبكة نفسها يُفهم دخول الرائحة والطعام والتذكية في المادة. فالمسك الذكي لا يملك عقلًا، لكنه يملك رائحةً نافذةً تبلغ الحس بقوة. والطعام الذكي لا يملك إدراكًا، لكنه يبلغ نضجه سريعًا. والتذكية ليست مجرد فعلٍ خارجي، بل إتمامٌ وإخراجٌ لما بقي من حرارة الحياة. والمُذَكِّي من الخيل لا يدل على عقلٍ ولا اختبار، بل على بلوغ السنّ وتمام القوة. بهذا لا يوسّع ابن منظور المادة من خارجها، بل يكشف اكتمالها من داخلها.
حتى الصرف نفسه لا يقف خارج هذا القانون. فالجذر ذ ك و، وما يتصل به من ذ ك ي، لا يتحرك في العربية كجذرٍ جامد، بل كحقلٍ تتردد فيه معاني الاتقاد، والإتمام، والثبوت، والنفاذ. فالمصدر «ذكاء» على وزن فعال يحمل طابع الرسوخ والامتلاء في الصفة، لا طابع اللمحة العابرة. والفعل «ذكا يذكو ذكاءً» يقترب من معنى الاتقاد، و«ذكي يذكى» يقترب من الاتصاف بالحدّة. والصفة «ذكيّ» على وزن فعيل تمنح المعنى ثبوتًا لا يليق بمجرد ومضةٍ عابرة. والمتعدي «أذكى» يدل على الإيقاد ورفع اللهب. والمضعّف «ذكّى» يدل على الإتمام والذبح، ومنه التذكية التي تدور حول إخراج الشيء إلى تمامه. كأن الصرف نفسه ينطق بأن الكلمة ليست مخزونًا، ولا علامةً توضع على قدرةٍ من الخارج، بل اشتعالٌ منضبط، وقوةٌ تبلغ تمامها، ثم تعمل في العالم بما فيها من حدّة.
ولهذا لم تكن العربية القديمة تحتاج إلى أن تجعل كل القدرات المعرفية تحت لفظٍ واحد. قبل دخول المصطلحات النفسية الغربية في العصر الحديث، كان المجال العربي يملك منظومةً دقيقةً من الألفاظ التي تفرّق بين ما يخلطه الاستعمال الحديث. الفطنة سرعة إدراكٍ وصواب إصابة. النباهة حضورٌ حادٌّ واستثنائي. الفراسة قراءةٌ نافذة للعلامات والوجوه والظواهر. الحكمة صواب توجيه لا يقوم على السرعة وحدها، بل على تجربةٍ تضبط الحكم وتمنعه من التهور. العقل ملكة ربطٍ وتقديرٍ وكبحٍ للدوافع، فهو قوة ضبطٍ أكثر منه قوة نفاذ. الألمعية حدّةٌ خاطفة في اللمح والإصابة، وقدرة على الوصول إلى ما لم يُفصح عنه بعد. اللُّبّ جوهر العقل حين يتخفف من الشوائب. والذهن قوة باطنة للتذكر والتأمل والاستنباط. هذه المنظومة تكشف أن العربي القديم لم يرَ القدرة المعرفية كتلةً واحدةً متجانسة، بل رأى طبقاتٍ متعددة من الإدراك والضبط والنفاذ والتمييز والتجربة.
هذا التعدد في شبكة الألفاظ ليس إفراطًا معجميًا داخل لغةٍ تحب التفصيل، بل هو طريقة اللغة في رفض فكرة القدرة الواحدة التي تُجمَع تحتها كل الطبقات المختلفة. الفطنة، والنباهة، والفراسة، والحكمة، والعقل، والألمعية، واللب، والذهن لا تدور حول مركزٍ واحد يحمل اسمًا عامًا، بل تكشف أن ما يُسمّى اليوم قدرةً عقلية عامة ليس إلا شبكةً من قوى متباينة تعمل في مواضع غير متطابقة من التجربة. من هنا تبدو حركة الحقل الحديث معاكسة تمامًا لحركة المعجم؛ يلتقط هذا التنوع، ثم يضغطه تحت اسمٍ واحد هو «الذكاء»، ليتولى بعد ذلك إعادة توزيع الفروق في درجاتٍ ورُتبٍ رقمية. بين لغةٍ تفكّك القدرة إلى طبقات، وجهازٍ يوحِّدها في عنوانٍ واحد ثم يقيسها كما لو أنها شيءٌ متجانس، تظهر الهوّة بين معجمٍ يرى الكيف، وحقلٍ لا يعترف إلا بالكمّ.
بقي هذا الأصل قائمًا في قلب الاستعمال العربي قرونًا طويلة، تتوارثه المعاجم ولا تنقضه، وتؤكده الشواهد ولا تبدده، حتى جاء العصر الحديث فبدأت الكلمة تنعطف نحو مصيرٍ آخر. لم يكن هذا الانعطاف قطيعةً واحدةً حادة، بل انتقالًا دفعته الترجمة، ثم سرّعه التعليم الحديث، ثم رسّخته لغة القياس النفسي، ثم أتمّته التقنية المعاصرة. في هذه الحركة لم تكن الكلمة تنتقل وحدها، بل كانت تُسحَب شيئًا فشيئًا من حقلٍ يرى القدرة في صورتها النوعية، إلى حقلٍ يريد أن يجعل القدرة قابلةً للتسمية، والتقدير، والمقارنة.
وهنا يلزم إغلاق الخيط الزمني الذي كثيرًا ما يُترك مبهمًا في السرد العربي. فما يُسمّى في العربية الحديثة قدرةً عامة قابلةً للتقويم والقياس لم يتكوّن داخل معجمها القديم، بل جاء من لحظة أوروبية محددة حين بدأ علم النفس التجريبي في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين يصوغ أدواته لقياس العقل. قبل ذلك، كانت كلمة intelligentia في اللاتينية تدور حول الإدراك والتمييز والاختيار، وكانت تُردّ في أصلها إلى فعلٍ يحيل إلى الالتقاط والتمييز بين الأشياء. لم تكن في أصلها اسمًا لمعامل، ولا نتيجةً في اختبار، ولا سلّمًا يوضع عليه البشر. كانت أقرب إلى قدرة نوعية على التمييز، لا إلى كمية عامة قابلة للقياس.
والجدير بالملاحظة أن اللغات الأوروبية ذاتها مرّت بهذا الضغط الدلالي قبل أن تُصدّره. فالتحول لم يبدأ في العربية، ولم يكن العربي حين استقبل «الذكاء» النفسي يستقبل لفظًا بريئًا ينتظر مقابله، بل كان يستقبل كلمةً أوروبية خرجت أصلًا من حقل الإدراك النوعي إلى حقل الوراثة والاختبار والإحصاء. بهذا لا يكون الذكاء العربي قد تعرّض لمسارٍ فريد، بل استورد ضغطًا دلاليًا حدث أصلًا في المصدر الأوروبي، وانتقل إليه بعد أن استقرّ أكثر داخل علم النفس والقياس. الفرق ليس في طبيعة الضغط، بل في اتجاهه وزمنه، هناك حدث الضغط داخل البرنامج البحثي الذي أعاد تعريف القدرة، وهنا وصل الأثر وقد اكتمل، مصحوبًا بمفردات الإختبار ، والتقويم، والفرز.
غير أن الحقل الذي استقبل الكلمة لم يكن فضاءً محايدًا ينتظر اللفظ ليضيفه إلى معجمه، بل منظومةً مكتملةً تعمل بقانونٍ آخر. التعليم الحديث، والجيش، وسوق العمل، والمؤسسات النفسية والتربوية لا ترى الإنسان من جهة حدّة فؤاده ولا من جهة وهج إدراكه، بل من جهة قابليته لأن يُوضَع في خانة، ويُدرَج في جدول، ويُرتَّب في سلّم. حين تدخل كلمة الذكاء هذه المنظومة، لا تدخل بوصفها أثرًا من النار والشمس والفؤاد، بل بوصفها علامةً جاهزة يمكن تعليقها على قدرةٍ عامة مزعومة لتبرير الفرز والتصنيف. هنا لا يُستعمل اللفظ لأنه الأصل، بل لأنه يصلح لأن يُعاد تجنيده في خدمة الحقل، يُسحَب من جذره، ثم يُعاد تشكيله بحيث يغدو مطيعًا للقياس، قابلًا للترتيب، صالحًا لأن يدخل المنظومة من غير أن يجرّ معه لهب المعنى الذي خرج منه أول مرة.
في هذا السياق لا يعود «المعجم الوسيط» معجمًا حديثًا فحسب، بل عقدةً زمنية تُظهِر التحول بعد أن استقر في تعريفٍ رسمي. ففي «المعجم الوسيط» الصادر عن مجمع اللغة العربية بالقاهرة، في طبعته الأولى سنة 1960م ثم طبعته الثانية سنة 1972م، تظهر للكلمة حياة مزدوجة داخل مدخل واحد: «الذَّكاءُ، لهبُ النار، والجمرةُ الملتهبة، وقدرةٌ على التحليل والتركيب والتمييز والاختيار، وعلى التكيّف إزاء المواقف المختلفة (مج).» بهذا لا يبتدئ التحول من المعجم، بل يجد فيه صورته الرسمية؛ إذ تجتمع في السطر نفسه بقايا الجذر القديم، حيث النار والجمرة، والمعنى النفسي الحديث، حيث التحليل والتركيب والتكيّف، موسومًا بعلامة المجمع.
وعلامة «مج» ليست تفصيلًا طباعيًّا عابرًا. إنها تشير إلى معنى أقرّه المجمع، أي إلى تدخلٍ مؤسسيّ في ضبط الدلالة الحديثة داخل العربية. عند هذه العتبة لا يكون الجذر القديم قد اختفى، لكنه لم يعد يعمل وحده. الأصل لا يُمحى، لكنه يُنسى حين يغدو الجهاز هو الحاضر الوحيد. بقيت النار في أول السطر، لكن الجهاز جلس إلى جوارها، ثم وُسم بختم المؤسسة. وعند هذه اللحظة يغدو من الصعب على القارئ المعاصر أن يرى الذكاء خارج الحقل الذي أعاد تشكيله، لأن المعجم نفسه بدأ يتكلم بلغة هذا الحقل.
ويستحق أن يُلاحَظ أن «سرعة الفطنة»، وهي القطب الكلاسيكي الذي ظلّ يربط الذكاء بالحركة النوعية للإدراك، لا تظهر في مدخل الاسم «الذكاء» داخل هذه الصياغة كما تظهر النار والقدرة النفسية الحديثة. إنها تبقى في شبكة الجذر والشواهد، في الصحاح ولسان العرب وما يتصل بالفعل والصفة، لكنها لا تقف في مدخل الاسم الحديث بوصفها الجسر الحاسم بين النار والاختبار. وهذا في ذاته أبلغ من أي شرح. كأن المعجم ترك في الاسم طرفين متقابلين، لهب النار من جهة، وقدرة التحليل والتركيب من جهة أخرى، ثم أتاح للاستعمال الحديث أن يعبر من الأولى إلى الثانية من غير أن يشعر أن مسافةً كاملة قد طُويت بينهما.
وكان هذا التحول، قبل أن يجد صورته الرسمية في المعجم، قد تهيأ داخل خطاب القرن العشرين الذي لم يكتفِ باستعمال الذكاء في سياق النهضة العامة، بل دفعه إلى الاقتراب أكثر من لغة التربية والقياس النفسي. في هذا الأفق كُتب عن الذكاء بوصفه قابلًا للتهذيب والتدريب ورفع المستوى، مستندًا إلى أدبيات نفسية وافدة وإلى تصورٍ يرى في القدرة العقلية موضوعًا صالحًا للتقويم الاجتماعي. هنا لا تعود الكلمة مجرد قوةٍ نوعيةٍ في الفؤاد، بل تدخل في مشروعٍ يرى في تقدير القدرة أداةً للانتقاء والتصنيف وإعادة توزيع الأفراد داخل التعليم والعمل والسياسة.
غير أن هذه الحركة لا يمكن أن تُقرأ بوصفها انتقالًا طبيعيًا في الاستعمال فحسب. صحيح أن الكلمات تتحرك في الزمن، وأن الدلالات تتسع وتضيق، لكن السؤال الأعمق لا يتعلق بمجرد تغير الكلمة، بل بالقوة التي قادت هذا التغير. بعض الكلمات تتغير لأنها تعيش في الفم اليومي، وبعضها يتغير لأنها تدخل في أنظمة جديدة تحتاج إليها. والذكاء، في انتقاله الحديث، لم يتحرك كلفظٍ عاديّ يتبدل مع العادة، بل ككلمةٍ دخلت في حقلٍ كامل من التعليم، والاختبار، والتربية، والإدارة، والقياس، وسوق العمل. لذلك لا يكفي أن يُذكر أن اللغة تطورت. هذا حكم صحيح في العموم، لكنه يترك الشيء الأهم في الظل: من الذي احتاج إلى هذا التطور، وبأي صورة، ولأي وظيفة؟
هنا يظهر أن الضغط الدلالي لم يكن انجرافًا عفويًا، بل هندسة هادئة. مرّ هذا الضغط عبر برنامج بحثي محدد، ثم استقبلته مؤسسات تحتاج إلى تصنيف الأفراد، ثم ختم عليه المعجم الرسمي بعلامة المجمع. بين المختبر والتعليم والمعجم، لم تعد الكلمة تشرح الإنسان بقدر ما أخذت تساعد على ترتيبه.
ومع انتقال الكلمة إلى الخطاب التقني، يكتمل هذا التحول في صورةٍ أكثر برودة. الهاتف يُسمَّى ذكيًا، والمدينة تُسمَّى ذكية، والشبكة تُسمَّى ذكية. هنا يتوقف الوهج، وتبقى الكفاءة. لم تعد الكلمة تشير إلى فؤادٍ يحدّ أو قلبٍ يشتعل، بل إلى نظامٍ يعالج، وينظّم، ويستجيب لمتطلبات الحقل الذي يشغّله. بهذا الاستعمال لا تُضاف طبقة تقنية إلى الدلالة القديمة، بل يُعلن عن اكتمال مسارٍ أخذ الكلمة من وهج المعنى إلى انتظام النظام، ومن حدّة الفؤاد إلى برودة الشبكة، ثم عامل اللفظ كما لو أنه وُضع من البداية ليصف آلةً وليس قلبًا.
يبقى الجذر في النهاية شاهدًا لا يطلب العودة إلى الماضي، بل يرفض أن يُمحى باسم الحاضر. فالكلمة أقدم من الجهاز الذي يستعملها اليوم، وأعمق من التعريف الذي يدّعي تمثيلها، وأشدّ حدّةً من الترجمة التي سوّتها بالحذاقة أو بالكفاءة التقنية. كان الذكاء، قبل أن يُجعل قدرةً عامة، حدّة فؤاد. وكان، قبل أن يُمنح للهاتف، نارًا تذكو. وكان، قبل أن يُعلّق على المدينة، شمسًا وصبحًا. وكان، قبل أن يدخل الحقول الحديثة، قبولًا تامًا سريعًا للمعنى. ومن لا يرى هذه الطبقة لا يفقد معلومةً في أمهات المعاجم، بل يفقد القدرة على التمييز بين كلمةٍ ما زالت تحمل لهبها، واستعمالٍ حديثٍ يريد لها أن تضيء بلا نار.
عبيدة فران


